سجْدَ الدُجى
02-12-2007, 19:07
http://www.uob.bh/adv/img/p24.jpg
اللغة تسعفه في معاكسة الكلام ومقارعة المعنى. ألفاظ يقلب استعمالها وكأنه يقلب الثوب إلى وجهه الآخر، الرجل «منهكاً سعادة» وسطوة الريح تصبح «ريح الكسل» و «ريح الذهول تقتلع خيام سكينتي» على رغم أن الذهول والكسل في حد ذاتهما يوحيان بالتباطؤ.
اللغة تسعفه لأنه يمتلكها ولا يضع قيوداً في استعمالها إلا قيود البلاغة وابتداع المجازات ونحن إن كنا نبدأ باللغة، فلأن القصص تستمد عمقها منها.
أيمن جعـفـر الكاتب البحراني الشاب، يتطلع إلى اللغة، وكأنها الجبل الذي سيتسلقه، تماماً كما بطل «ليلة البُهر». وهو ينبهر بها، ليبهرنا باستعمالها وباتساع حدودها، حتى إن معاني، لا تتصور حضورها في نصه تحضر، مثل «قذائف الهاون» تقصف القلب. والتلاوين عنده لا تنضب، من اعتماد تلك التعابير، التي يمكن أن تسقط نصاً جاداً، فإذا بها تلونه بالدهشة، إلى البراعة في صوغها جملاً بليغة. تتغير اللغة بابتداع التشابيه والاستعارات، وتكتسب رقة، باجتناب الكلمات المقعرة. تتحرر اللغة معه، وهي تغرف من معين المفردة الصحافية، ومفردات عصرية، ولا تبتذل.
«تحميل قطارات الوقت حمولة مشتركة»، «أما الحرارة فالرطوبة لسانها الناطق» إلى المعاني المبتكرة، بتغيير كلمة في تعبير مألوف، كـ «الكل يتصبب انتظارا» أو «الجموع تحج من كل قلق عميق» وهما غير ما ألفناه من التصبب عرقاً او الاتيان من فج عميق.
هكذا تتحرك المفردات معه، وهي نبض قصصه كلها.
قصصه قائمة على المصادفات، غالباً. «قانون المصادفات» الذي ذكره في إحدى قصصه. يستيقظ أبطاله فجأة على واقع ما، أو يلفتهم تفصيل، يحرك هواجس وتساؤلات تكون مدخلاً إلى الذات أو البحث في كنه الأمور، يكتسي البحث قالب التوتر وشحن المشاعر، وتكثيف إقلاق القارئ، بما يقلق السارد، حتى تتجلى النهاية غالباً عن نهاية سعيدة، لم يكن ينتظرها المتتبع.
في قصصه مسرحة، حتى إنك إن قرأتها تحسها إلقاء. وكأنه المنشد القديم في المسرح الاغريقي، يتلو على السامعين، تفاصيل الأحداث، بإلقاء شائق ويثير المشاعر. أو لعله إنشاد قرآني، فيه نذير أو تنبيه. البعد التمثيلي في قصصه يضفي عليها «التحايل» وكأنه مُخرِج يخبئ نيته إلى النهاية، فلا يتركك تحزرها. وكأن هذه المقابلة بين التوتر وانفراج النهاية أشبه بشقي المؤلف، الذي يحس بأنه يتحفز للكتابة، بمُرّ الأحاسيس، وينساها عند جذل النتيجة. وكأنه موجود في كل قصصه، هو السارد وهو البطل، تتضوع منها أحاسيسه، أفكاره، آراؤه، ولا يريد أن يخفيها، هذه الحقيقة. حالته في صراعه مع الواقع، أشبه ببطلي «حقائب الدهشة» يحملان الاسم ذاته، واحد يجسم مضمونه، أي السعادة، وآخر عن سخرية لخلو الاسم من معناه، أي «سعيد». واحد سموه تيمناً بالسعد وآخر سموه أملاً في السعادة التي كانت هاربة منهم، فإذا بالأول متخفف من الهموم، كما شاءت الصدفة أن يلد في بيئة مستمتعة بالدنيا، وإذا بالآخر، مثقل بذكرى ولادته في فترة شؤم. لهذا قلنا إن أبطاله وليدو المصادفات، حتى إن المؤلف، غالباً ما يركز في القصص على تلك التفاصيل الصغيرة، التي تأخذ الحياة في اتجاه معين، وكان يمكن أن تغير مجراها، لو تغيرت قليلاً، فتصبح حياة ثانية بالتمام.
من معين المواضيع المألوفة، يغرف المؤلف. الحداثة وعدم اتباعها، التخلف عن الاستفادة من عبر التاريخ، وهو ما يبقينا على عصبياتنا وخلافنا، الطموح والطفولة والغربة، وهذه الاخيرة تطبع معظم شخصياته بدرجة معينة، لتستحيل القصص رومانسية، إن لجهة رقة اللغة، وهي تسرد و إن لجهة الأحاسيس، حيث يغرق السارد في المشكلة إلى درجة التماهي بها، وحيث يشعر بفرديته، بين الجموع وحيث الأبطال يتميزون بصفات التمرد على واقع اجتماعي أو تاريخي، يجدونه غير عادل، مما يدفعهم غالباً إلى التشاؤم ويضفي نبرة التوتر تلك على معظم مطالع القصص، حتى ينتهي الأمر بعزيمة، هي أقرب إلى الغرف من الإيمان.
ما يتغير في تلك القصص، تفاصيل قليلة، كتقسيمها إلى أيام، أو استعمال أحرف العنوان، لتصدير مقاطعها. ويصادف أن هذا يزيد من رومانسيتها، وينأى بها عن حالة سوداوية، كان يمكن أن تطبعها. «أسفار الجحيم» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت200٧) هي دلالة على كل ما نسيء استعماله أو قراءة مدلوله، فلا نستفيد منه، وهو واقع يرزح تحته الأبطال ولكنه لا يسحقهم لحسن الحظ. وهذا في رأينا متأت من مقاومة داخلية تميزهم.
«تتضوع روائح الغضب وتتبخر»، «اللالئ قوافل»، «يرتدي قميص الدهشة الصيفي»، «القمر يتلصص بعينيه الرمادتين»، لا تني لغته تتجه صوب الغنائية، تناجيها، وتمتص الشحنة السلبية. «أهازيج القمر» هي لعبة طفل تشاركه فيها الأم، لعله هـو هـذا الطفل. «أحاسيس صحراوية» تراوح بين جعل الطبيعة صدى أحاسيس البطل أو عكسها. «فوانيس شاحبة» هو بحد ذاته عنوان رومانسي. صدّر المؤلف كل قصة بما يعتبره خلاصة المعنى أو زبدة المغزى. إنها حكمة توخاها من كل منها.
تتابع قصص المؤلف، لتحمل أشياء من الحياة أهمية لا تكتسب غالباً لأسباب تكمن فيها، بل «نحن الذين ننحت فيها الأهمية». وهو لا يني يتأمل الحياة، ليتيقّن بعد حيرة، ولكن أنّى له «قطف إجابة من بستان الحيرة حارسه»؟ لذلك يشعرك غالباً بأن قصصه نهايتها مفتوحة، على اللانهاية، لأن التساؤل الذي تضعه أمامنا شؤون الوجود، لا يجد غالباً جواباً ولكنه يحرك فينا الإبداع.
صحيفة الحياة اللندنية
اللغة تسعفه في معاكسة الكلام ومقارعة المعنى. ألفاظ يقلب استعمالها وكأنه يقلب الثوب إلى وجهه الآخر، الرجل «منهكاً سعادة» وسطوة الريح تصبح «ريح الكسل» و «ريح الذهول تقتلع خيام سكينتي» على رغم أن الذهول والكسل في حد ذاتهما يوحيان بالتباطؤ.
اللغة تسعفه لأنه يمتلكها ولا يضع قيوداً في استعمالها إلا قيود البلاغة وابتداع المجازات ونحن إن كنا نبدأ باللغة، فلأن القصص تستمد عمقها منها.
أيمن جعـفـر الكاتب البحراني الشاب، يتطلع إلى اللغة، وكأنها الجبل الذي سيتسلقه، تماماً كما بطل «ليلة البُهر». وهو ينبهر بها، ليبهرنا باستعمالها وباتساع حدودها، حتى إن معاني، لا تتصور حضورها في نصه تحضر، مثل «قذائف الهاون» تقصف القلب. والتلاوين عنده لا تنضب، من اعتماد تلك التعابير، التي يمكن أن تسقط نصاً جاداً، فإذا بها تلونه بالدهشة، إلى البراعة في صوغها جملاً بليغة. تتغير اللغة بابتداع التشابيه والاستعارات، وتكتسب رقة، باجتناب الكلمات المقعرة. تتحرر اللغة معه، وهي تغرف من معين المفردة الصحافية، ومفردات عصرية، ولا تبتذل.
«تحميل قطارات الوقت حمولة مشتركة»، «أما الحرارة فالرطوبة لسانها الناطق» إلى المعاني المبتكرة، بتغيير كلمة في تعبير مألوف، كـ «الكل يتصبب انتظارا» أو «الجموع تحج من كل قلق عميق» وهما غير ما ألفناه من التصبب عرقاً او الاتيان من فج عميق.
هكذا تتحرك المفردات معه، وهي نبض قصصه كلها.
قصصه قائمة على المصادفات، غالباً. «قانون المصادفات» الذي ذكره في إحدى قصصه. يستيقظ أبطاله فجأة على واقع ما، أو يلفتهم تفصيل، يحرك هواجس وتساؤلات تكون مدخلاً إلى الذات أو البحث في كنه الأمور، يكتسي البحث قالب التوتر وشحن المشاعر، وتكثيف إقلاق القارئ، بما يقلق السارد، حتى تتجلى النهاية غالباً عن نهاية سعيدة، لم يكن ينتظرها المتتبع.
في قصصه مسرحة، حتى إنك إن قرأتها تحسها إلقاء. وكأنه المنشد القديم في المسرح الاغريقي، يتلو على السامعين، تفاصيل الأحداث، بإلقاء شائق ويثير المشاعر. أو لعله إنشاد قرآني، فيه نذير أو تنبيه. البعد التمثيلي في قصصه يضفي عليها «التحايل» وكأنه مُخرِج يخبئ نيته إلى النهاية، فلا يتركك تحزرها. وكأن هذه المقابلة بين التوتر وانفراج النهاية أشبه بشقي المؤلف، الذي يحس بأنه يتحفز للكتابة، بمُرّ الأحاسيس، وينساها عند جذل النتيجة. وكأنه موجود في كل قصصه، هو السارد وهو البطل، تتضوع منها أحاسيسه، أفكاره، آراؤه، ولا يريد أن يخفيها، هذه الحقيقة. حالته في صراعه مع الواقع، أشبه ببطلي «حقائب الدهشة» يحملان الاسم ذاته، واحد يجسم مضمونه، أي السعادة، وآخر عن سخرية لخلو الاسم من معناه، أي «سعيد». واحد سموه تيمناً بالسعد وآخر سموه أملاً في السعادة التي كانت هاربة منهم، فإذا بالأول متخفف من الهموم، كما شاءت الصدفة أن يلد في بيئة مستمتعة بالدنيا، وإذا بالآخر، مثقل بذكرى ولادته في فترة شؤم. لهذا قلنا إن أبطاله وليدو المصادفات، حتى إن المؤلف، غالباً ما يركز في القصص على تلك التفاصيل الصغيرة، التي تأخذ الحياة في اتجاه معين، وكان يمكن أن تغير مجراها، لو تغيرت قليلاً، فتصبح حياة ثانية بالتمام.
من معين المواضيع المألوفة، يغرف المؤلف. الحداثة وعدم اتباعها، التخلف عن الاستفادة من عبر التاريخ، وهو ما يبقينا على عصبياتنا وخلافنا، الطموح والطفولة والغربة، وهذه الاخيرة تطبع معظم شخصياته بدرجة معينة، لتستحيل القصص رومانسية، إن لجهة رقة اللغة، وهي تسرد و إن لجهة الأحاسيس، حيث يغرق السارد في المشكلة إلى درجة التماهي بها، وحيث يشعر بفرديته، بين الجموع وحيث الأبطال يتميزون بصفات التمرد على واقع اجتماعي أو تاريخي، يجدونه غير عادل، مما يدفعهم غالباً إلى التشاؤم ويضفي نبرة التوتر تلك على معظم مطالع القصص، حتى ينتهي الأمر بعزيمة، هي أقرب إلى الغرف من الإيمان.
ما يتغير في تلك القصص، تفاصيل قليلة، كتقسيمها إلى أيام، أو استعمال أحرف العنوان، لتصدير مقاطعها. ويصادف أن هذا يزيد من رومانسيتها، وينأى بها عن حالة سوداوية، كان يمكن أن تطبعها. «أسفار الجحيم» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت200٧) هي دلالة على كل ما نسيء استعماله أو قراءة مدلوله، فلا نستفيد منه، وهو واقع يرزح تحته الأبطال ولكنه لا يسحقهم لحسن الحظ. وهذا في رأينا متأت من مقاومة داخلية تميزهم.
«تتضوع روائح الغضب وتتبخر»، «اللالئ قوافل»، «يرتدي قميص الدهشة الصيفي»، «القمر يتلصص بعينيه الرمادتين»، لا تني لغته تتجه صوب الغنائية، تناجيها، وتمتص الشحنة السلبية. «أهازيج القمر» هي لعبة طفل تشاركه فيها الأم، لعله هـو هـذا الطفل. «أحاسيس صحراوية» تراوح بين جعل الطبيعة صدى أحاسيس البطل أو عكسها. «فوانيس شاحبة» هو بحد ذاته عنوان رومانسي. صدّر المؤلف كل قصة بما يعتبره خلاصة المعنى أو زبدة المغزى. إنها حكمة توخاها من كل منها.
تتابع قصص المؤلف، لتحمل أشياء من الحياة أهمية لا تكتسب غالباً لأسباب تكمن فيها، بل «نحن الذين ننحت فيها الأهمية». وهو لا يني يتأمل الحياة، ليتيقّن بعد حيرة، ولكن أنّى له «قطف إجابة من بستان الحيرة حارسه»؟ لذلك يشعرك غالباً بأن قصصه نهايتها مفتوحة، على اللانهاية، لأن التساؤل الذي تضعه أمامنا شؤون الوجود، لا يجد غالباً جواباً ولكنه يحرك فينا الإبداع.
صحيفة الحياة اللندنية