PDA

View Full Version : قراءة في رواية ليلة خروج المنتظر/ محمد الجنيدل


سجْدَ الدُجى
07-12-2007, 08:51
يشغل السؤال الديني حيزاً واسعاً من مجموعة "ليلة خروج المنتظر" الصادرة مؤخراً للقاص هاني الحجي، حيث الفضاء الديني أول ما يلتقي القارئ، بدءاً من عنوان المجموعة وصورة الغلاف، والتقاءً به في ست قصص تتمركز داخلها تلك الخصوصية، فاتحة بذلك مسرباً لإعادة مراجعة الوعي الديني، ما يعطي للمجموعة شيئاً من التمايز، ومحاولات البحث عن مساحة كتابية، خارج إيقاعية السرد المتداولة.

في (نزوة بحر تناجي شهوة الصحراء) نبحث الشخصية علاقتها مع الآخر، محضرة مفارقة النص على أكثر من مستوى، من استعارية العنوان الموظفة للفعل (تناجي) المحمل بمعنى الإسرار من البحر. وكذلك داخل النص، فالفتاة من (جدة) مقابل شاب من (الأحساء)، يعيشان التجربة في (الرياض) كمركز وسيط يجمعهما للدراسة. تأخذ السلطة شكلها العكسي لهما، فالفتاة محاطة بالأب، "أنت لا تعرف لا عاداتنا، ولا تقاليدنا" ص13، مقابل الشاب المحاط بالأم "لا نعرفهم ولا يعرفونا ولا مذهبها من مذهبك" ص 17.حيث الوعي سيأخذ شكل هروب من رجس العادات ليختار الشاب نهايته الرومانسية "ببساطة انتحاري انتقمت لك من سطوة التاريخ وحدود الجغرافيا" ص15، ليكون عزاؤه الوحيد من الفتاة "سيشبه طفلنا فردوس الأحساء" ص

17.ثمَّ مساءلة أخرى للوعي الديني تأخذ شكل الالتفات إلى الذات كما في قصة (ليلة خروج المنتظر) حيث الشخصية المتظاهرة بالجنون، تحاول إعادة تشكيل هوية المهدي (ع) "المنتطر لن يخرج حاملاً سيفه، سيخرج حاملاً قلماً وممحاة يسمح العثرات من تاريخنا، ويعيد كتابة مستقبلنا" متماهية في صوت الراوي "الإمام سيبدأ بالعمائم المزيفة" ص 34.فهذه القصة بمحاولتها عقلنة الحقيقة تقلب الواقع "لماذا لا يكون المهدي هو الذي ينتظرنا" ص35، أيضاً المنتظر هو من يطلب النصرة "لم يجدوا المجنون، ربما لأنه الوحيد منهم انطلق لنصرة المنتظر" ص 37.يبدو الحجي حذراً هنا في مساسه بالمقدس حين يوظف شخصية مجنونة يمارس من خلالها السرد بحرية، فالنص يترك للقارئ مواصلة الامتداد. رغم عنف النهاية التي تستبطنه.

كذلك في قصة (سجدة في حضرة الشيطان) فالحوار المحمل بكثافة لا تحيل إلى مخاطب بعينه، تشير إلى رغبة المخاطب "قلت له هل تعيرني عصا موسى لتلقف كل ما صنعته هواجسنا من أفكار مشعوذة" ص 59كحصلة لوعي يحمل رغبة عنيفة في التعبير. ذلك الوعي سيأخذ صورة السخرية في قصة (ملا بيجر في بورصة الحسينيات) فالشحصية الرئيسة تحاول بحث دلالات الاستحقاق لدى الملا، من خلال مستواه التعليمي وما يقدم من طرح يقترب من الاستخفاف بالمستمعين. في حين يقابل بالاحتفاء حين يقول أحدهم "صج لقالوا العلم بحر" وآخر "هالشيوخ كل شي يعرفونه" ص 65.يتركز الجزء الأخير من النص على السخرية من خاصية الاستغلال المادي لدى الملا حين يطلب مقابل (قراءة عشرة محرم) مبلغ "عشرين ألفاً وبشيك مصدق على البنك الأمر يكي أو البريطاني" ص

65.وفي (مدن جائعة تفترس أقمارها) المحملة بكثافة لغوية تتجلى من عنوانها، تنسحب الكتابة معها إلى الداخل لتبدو أقرب إلى نعي للذات "كان طفلاً ظامئاً لكنه ما نسي عطش الحسين (ع)" ص 68والمجتمع معاً "غابة حزينة افترستهم كحزن كربلاء" ص68، بدءاً من عتبة القصة "يفترش أرض الهزيمة، يصارع أملاً متعلقاً على أشجار الحزن.." ص67، وحتى انعطافات النص "كل تلك المدن هرّبت وجهه الحزين" ص67، فالنص يبدو أكثر اشتغالاً على اللغة، ما يجعله أكثر إبداعاً في تكسيره لتقليدية السرد، ونفاذاً إلى حزن كربلاء، كتمظهر ديني.

ومن رؤية مقارنة تربط قصة (فلسفة البصاق) بين الليبراليين بأطروحاتهم المتناقضة واللامحسوبة، والإسلاميين برؤيتهم الأحادية، فليس ثمة فرق بين أصحاب العمائم المزيفة وأصحاب التوجه الليبرالي "أعرف هؤلاء اللبيراليين، خدعنا بآرائهم وشعاراتهم حتى كدنا أن نقلدهم كما يقلد المتدينون مراجعهم، واكتشفنا بعد أن لمسنا واقعهم أنهم مجرد خدعة مثل أصحاب بعض العمائم.." ص72، ومن زاوية أخرى بالمجتمع هو من يتحمل البلاء بحسب تعبير القاص "ابتلينا بليبراليين نرجسيين وإسلاميين متشددين" ص75، مع أن حكاية القصة تقدم مشروعاً لتخصيص ضرائب لبصاق العمالة الأجنبية، مما يجعل الحجي أكثر مرحاً في طرح قضية الليبراليين في سياق كهذا!

ومن زاوية أخرى يشغل الجنس (ليلة خروج المنتظر) كمرتكز ثانٍ، تبحث من خلاله الشخوص خلاصها. يظهر ملتبساً بالديني سياسي في قصة (فلسفة السرير) عربي وفارسية) في استثمار شخصية الإيرانية العاهرة والمؤمنة بالثورة في آن، مواجهة شخصية العربي الرافض لأدلجة الدين، وهو امتداد لمساءلة الوعي الديني كمرتكز أساس للمجموعة "هل تعتبرون إيران المعصوم الخامس عشر؟ احلموا مثلما تشاؤون، لكن لا تصدروا أحلامكم في كبسولات العقيدة" ص 29.ذلك الوعي يمتد لرفض الطقوسية الدينية "همست بشفتيها (متعتك نفسي..) وضعت سبابتي والوسطى على شفتيها لا تؤدلجي علاقتنا" ص 32.ومن جهة أخرى ينفتح الجنس خارج الديني ليشمل جيلاً يبحث اللذة المحرمة خارج عالمه المغلق "على الجسر تتدفق رغبات حبيسة جدران النزوة لتتنفس جسد امرأة ملقاة على معابد الفقر" ص19، يبدو ذلك الجيل أٍقل ثقة بذاته لتناقض رغباته مع سلطة الداخل "والده يطارده بذاكرته المتعرقة.." ص 20وأيضاً "في بهو الفندق رأى صورة جده" ص22، ذلك ما يجعله يعود تائباً في إيابه "عندما تصافحه نسمات الدمام يعود ليتوضأ بملوحة البحر" ص 22.لكن الحجي رغم شعرية الحوار التي يخفف بها حدة المباشرة يبدو أقل اتساقاً حين يسأل أحد الشخوص "هل النخلة تحترف الدعارة؟" ص21، خصوصاً حين يكون المخاطب عاملاً آسيوياً.! وهكذا يتدرج الحجي في توظيف المحرم ليصل إلى (أحلام مواطن عربي) في قصة قصيرة جداً، تنبني على مغايرة المصطلح حيث النص يبدأ ب "قصة طويلة جداً جداً جداً" ص 77تجعل الوصول إلى غير مسموح به، كاستثمار لفضاء الانترنت، وهي أيضاً أيضاً إحالة على هاجس الممنوع، كما أنه لا يخلو من دلالة جنسية. تجيء قصة (الأبواب) خاتمة المجموعة والتي تبدو مدهشة في اختيارها كخاتمة للكاتب، حيث الأبواب مفتوحة أمام فضاء التأويل وحيث النص الأكثر كثافة وتكسيراً لخطية القص التقليدي على مستوى المجموعة، والذي يبدو محملاً بالدلالات الجنسية على مستوى حركية الشخصية بدءاً من الانشداد "كان يطرق الباب بضرباته المجنونة" وانتهاء بفعل بالارتخاء "ارتمى في أحضانها وأغلق الباب" ص 79.فالنص مشتغل على تجريدية تسم إيحاءاته المتخففة من أي علامات زمانية أو مكانية.

خارج الديني والجنس، تتداخل فضاءات سردية أخرى. فثمة الحلم كمعادل للمرض، فالشخصيتان في (مجنون في دائرة) و(محاكمة الأحلام) غير راغبتين في الخروج من الحلم "تنكرت لكل شيء لأنني أعيش خارج الزمان أو أمتي تعيش خارجه. قالوا: مجنون!!" ص 9وكذلك ".. لكنها مجرد أحلام، هذه جريمتي أن أصبح طائراً أبيض.." ص 44فالحلم هنا بحث عن حياة موازية تبدو صادمة لحاضر يتطلب أن يعيش بمرارته، فالطبيب النفسي حين يفشل في معالجة مريضه يدخل معه دائرة الجنون "أصبح الطبيب لا يرى أن هناك فرقاً بينه وبين المجنون" ص9، عكس القاضي الذي يحكم بإعدامه حفاظاً على توازن الحياة "من يصطاد الغزلان؟ ولمن تحفر القبور؟ وبماذا تلتذ الأسود إذا لم توجد الأرانب أيها المأفون؟" ص 45.وفي قصتين تستثمران السخرية في إسقاط الواقع السياسي، على حالة مريض بالبواسير، وآخر مبتلى بالكرش، لا تبدو معهما الإحالات غامضة، فهما تشيران لأحداث بعينها. بدءاً من الحرب الإيرانية العراقية، مروراً بالغزو الكويتي، وانتهاء بالأوضاع العراقية الراهنة. تبدو الشخصيتان عاجزتين حيال واقعهما الآني فالمتكرش ينتمي لطبقة الفقراء مما يجعلها غير ملائمة له، ليحيل ذلك إلى "بداية تعلقي بمشروبات عبدالناصر الغازية" ص69، وكذلك مريض البواسير الذي يواجه برفض عدد من أفراد قريته إجراءه العملية، حفاظاً على كرامتهم، في حين يصل الدكتور رامسفيلد ليحرر مؤخرته في زيارة خاطفة.

في نصي (مجنون في دائرة) و(دوائر لا تتداخل) تبدو فكرة الدائرة ملازمة للحجي حيث تستمد مرجعيتها من (الجغرافيا)، كروية الأرض، دورانها.. إلخ، فالكائن يبدأ من نقطة ما في الدائرة، ليبدأ دورانه داخلها، والخروج من الدائرة يتطلب القفز منها إلى أخرى.. "أمله أن تتداخل هذه الدوائر لتصبح دائرة واحدة" ص47، وكما سبق في قصة (مجنون في دائرة) فالفرق بين الطبيب والمجنون أن أحدهما يقف يمين الدائرة والآخر يسارها، وعملية تحريك الدائرة لن تحتاج جهداً. أما في قصة (دوائر لا تتداخل) فتتجاوز الرغبة الخروج من الدائرة إلى تداخل الدوائر، توظف هذه القصة تقنية الحذف مقابل سوريالية الموقف، فمن الطالب في حصة الجغرافيا، إلى المستشفى كان يفكر في السبب الذي احترق من أجله ويصرخ (انتبهوا للخريطة لا تحترق..)" ص

49.يحضر الموت في قصة (طريق خريص) كنتيجة انتظار طويل، لموظف يرغب نقله لمدينته، تتطور الأحداث بشكل كلاسيكي لتصل نهايتها المغلقة، لتكون نهايته على طريق خريص، بالقرب من خطاب النقل الذي ظل يحلم به عشر سنوات مرمياً دون أن يلقي له بالاً. تعتمد هذه القصة مفاجأة الموقف في مسير تحول الأحداث. هذا النوع من القصص - في رأيي - يحتاج على الأقل قلباً لهرمية النص، أو تبريراً أكثر لاختياره من الداخل، تخلصاً من التحولات غير المقنعة.

أيضاً تحضر الأم في المجموعة بنمطية تقليدية في (مناجاة الأمومة)، بل أن النص يكاد يقترب من الإنشائية، لولا شعرية النص التي يتوسل النص سرديتها من خلاله، فالنص لا يزيد عن تقديم مفاهيم جاهزة، ذلك الارتباك سيطبع خاتمة النص "يا من أنت أرحم من هذه الأم على ولدها" ص56، وربما يكون ذلك النص متورطاً بالعاطفة، ليس بمعنى كونها دافعاً للإبداع، بل بكونها التصاقاً يمنع المبدع من اتخاذ مسافة بينه وبين نصه.

ومن موضوعة الأمومة ذاتها - مع الفارق - تحضر قصة (حزن الأبواب)، يمرر النص من خلالها صوت الراوي الأنثى، الموجه لطفلها، مع امتلاك واعٍ لخصائص ذلك الصوت، ودخول أنثوي في تفاصيله "أرى حقيبتك أنهكها غبار النسيان، أقتحمها بلهاث الأمل عليّ أجدك بين ألوان كراسة الفنية" ص39، لا يكاد النص يسلم نهايته الحكائية، مع أول قراءة، فخاصية الاستباق التي تجعل من حدث الموت تالياً لدخول المستشفى تربك قليلاً القارئ المتعجل، مما يتطلب قراءة أعمق لخطاب الزمن وإعادة توزيعه حكائياً، ثم ملاحظة تكسير خطيته.

(ليلة خروج المنتظر) هي المجموعة الأولى للقاص هاني الحجي، ويمكن ملاحظة أن المجموعة جاءت متأخرة بالنسبة لكاتبها، فالكاتب من مواليد 1972م، مما قد يبرر تفاوت مستوى القصص، إذ يمكن إحالة ذلك لفترة إنتاجها المتباعدة، ربما، مع أن الكاتب لم يشرح إلى أي تاريخ، سواء لفترة إنتاج المجموعة أو لقصة بعينها.

غياث
08-12-2007, 10:39
جميل إن نكتب من هذا المنظار ..
منظار الإنتظار ..

http://www.altnor.com/media/pics/1194095526.jpg

شكراً لكِ سجد الغالية على القراءة الجميلة :wem: