PDA

View Full Version : نحن والمفهومات المستوردة/د. هشام غصيب


سجْدَ الدُجى
26-02-2008, 19:11
المفهومات صور ذهنية مركبة يتم عبرها إدراك (فهم ,استيعاب ,استملاك) سيرورات وموضوعات معينة, واقعية أكانت أم وهمية, طبيعية أم تاريخية, اجتماعية أم سيكولوجية.
وهي تتميز :أولاً, في أنها من نتاج البشر, أو قل العقل البشري, وثانياً, في أنها تاريخية, بمعنى أنها تنشأ تاريخياً وتتطور كالكائنات الحية, وثالثاً, في أن الواحد منها لاينشأ إلا تحت ظروف طبيعية وتاريخية معينة تنسجم وبنيته المنطقية, ورابعاً, في أنه يتم إنتاجه من قبل جماعات بشرية معينة مهيأة حضارياً وتاريخياً لإنتاجه, وخامسا, في أن يشير بحكم طبيعته الذهنية الى موضوع خارجه.
والذي نود توكيده هنا هو ان المفهوم يولد ولادة تاريخية موضوعية معينة ويمثل في النهاية جانباً معيناً, قد يكون مستتراً, من جوانب الواقع.
فهو ليس تركيباً فردياً ذاتياً رهن مشيئة الفرد ومزاجيته.
وهو ليس مجرد تعريف خاو يركبه المرء مزاجياً واعتباطياً متى شاء لتنفيذ مآرب معينة, من مثل التعبير عن رغباته وتحيزاته الذاتية أو إرضاء هذه الجهة أو تلك.
بل إنه كائن تاريخي فكري يلخص في باطنه ويعكس سيرورة تاريخية بكاملها, ويحمل في قلبه تاريخاً كاملاً من المعرفة والعناصر الوجدانية والأخرى الآيديولوجية.
وبالرغم من أن المفهوم ينبع من صميم الذاتية البشرية إلا انه كائن تاريخي موضوعي في جوهره يكتسب, بمجرد ولادته ,قدراً كبيراً من الموضوعية والاستقلال الذاتي والمادية الفاعلة, بمعنى أنه يغدو قوة مادية اجتماعية لها فاعليتها وأثرها الملموس في ذاتها.
ولكن, ما منطويات تصور المفهوم على أنه كائن تاريخي فكري يتم إنتاجه من قبل جماعات بشرية معينة تحت ظروف تاريخية معينة؟
قبل الأجابة عن هذا السؤال ,ينبغي التوكيد على أن عملية ظهور المفهوم هي عملية مميزة جداً, اقرب الى عملية الولادة الطبيعية منها الى عملية الانتاج المادي المنظم.
ففي حال عملية الإنتاج المادي يكن في مقدورنا التمييز بدقة بين لحظات الانتاج الرئيسية الثلاث: المادة أو الخام ,أدوات الانتاج ,الناتج.
كذلك, فإن التصور الذهني للناتج ولوظيفته المباشرة يسبق بالضرورة عملية الإنتاج ويدخل في النهاية في تحديد طبيعة المادة الخام وأدوات الإنتاج.
ولنعد الى سؤالنا الذي طرحناه عن منطويات مثل هذا التصور لطبيعة المفهوم, فقد رأينا أن المفعوم كائن فكري تاريخي موضوعي تنتجه الجماعات والفئات التاريخية تحت ظروف تاريخية معينة.
فالمفهومات إذن تتولد بصورة طبيعية وحتمية عبر السيرورة التاريخية وبوصفها آلية أساسية من آلياتها.
وبالرغم من أن إنتاج المفهومات في لحظة تاريخية معينة لايتم تنظيمه بوعي وإدراك كما هو الحال مع الإنتاج المادي.
إلا أنها تظل منتوجات بشرية تاريخية, يدخل بعضها في إنتاج غيره من المفهومات ,ويدخل بعضها الآخر في النشاطات الانسانية الأخرى (كعمليةالانتاج المادي) ويتسهلك بعضها لأمد منظور ثم يطويه النسيان, ويعاد إنتاج بعضها الآخر, ومن ثم يتم تطويره ,وفق الظروف التاريخية المستجدة.
وبوصفها كذلك (منتوجات بشرية) ,فإن المفهومات تصدر وتستورد لغايات مختلفة, شأنها في ذلك شأن السلع المادية على اختلاف أنواعها.
ولعل أقرب منتوج مادي اليها من حيث الوظيفة والديمومة هو الآلات وأدوات الانتاج العصرية الأخرى (التقانة ومكوناتها).
والحق أن معظم المفهومات التي نستعملها ,نحن العرب, في حياتنا اليومية هي مفهومات مستوردة من العالم الاوروبي (اوروبا, روسيا, أمريكا الشمالية), بمعنى مفهومات أنتجت هناك وتطورت ثم وصلت الينا عبر وسائل الاعلام والثقافة والتربية والتعليم.
والسؤال المهم هنا هو: ما هو واقع التعامل مع مثل هذه المفهومات وواقع استعمالها في الوطن العربي ؟ وما هي الطريقة المثلى للتعامل معها؟
كما ألمحنا أعلاه, فإن وضع المفهومات العصرية يشبه كثيراً وضع الأجهزة والآلات التقانية التي نستوردها من العالم الأوروبي.
فمثلما أننا عجزنا حتى الآن عن استيعاب التقانة الاوروبية ,لعجزنا عن تهيئة قاعدتنا الإنتاجية لاستقبال هذه التقانة, فقد عجزنا أيضاً عن استيعاب المفهومات الأوروبية ,لعجزنا عن تهيئة عقولنا وبناها الفكرية لاستقبال هذه المفهومات الاستقبال الذي يليق بها.

جنوساني
28-02-2008, 10:48
امممممم
للمرة الثالثة أقرأ الموضوع
أعجبني كثيراً
و لكن هل لهذهِ المفهومات من أرضية خصبة ؟؟ كي نستقبلها و نتداولها و نُطبق بعضاً منها بوعي لكي لا تنقلب علينا بالسوء مثلاً
الارضية الخصبة المقصودة برأيي ليست الثقافة وحدها انما الوعي الديني هو الاهم
:doh: