PDA

View Full Version : نــظــريـات...!/د.مراد الصوادقي


وِراقة
22-03-2008, 10:13
الكلام الذي لا يتجاوز الطرح النظري الخالي من القيمة العملية والتأثير الفعال في المجتمع والحياة لا يكون نافعا, لأنه بعيد عن هموم الناس ومعاناتهم وما يقاسونه كل يوم. ولكن الكثيرين منا لا يزالون يتناولون العديد من المواضيع كالوطنية باقتراب سطحي معزول عن واقع الحياة ومحصور في دائرة السطور والكتابات الخالية من المعاني المفيدة التي تساهم في تأكيد وتحقيق التفاعل الحضاري وتناسل الأجيال فكريا وأخلاقيا وإبداعيا.

فنقرأ كتابات تتصدر الصحف والمجلات على أن كتابها لهم باع طويل في صناعة الفكر والثقافة, وعندما نقترب منها, لا نجد إلا آليات خبرة طويلة في التعامل مع الكلمات ومحاولة صياغة مدلول منطقي لا يرتبط بالحياة بأسباب منطقية, وإنما هو تحليق فوقها ويحوم حول نداءاتها وتطلعاتها التي تنتهي إلى الهزيمة . إذ لا تتصدى لما تتناوله بمعاصرة ووعي وإدراك علمي شامل, وإنما هي اقترابات إجترارية تعيد ما مضى وما انقضى وأكله الزمن وطرحه أرضا منذ مئات السنين. ونحن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وهي بذات المنهج والتصور الذي تجمد في مكانه, وما غيرته ويلات القرن العشرين المليء بكل مبررات الفواجع الفكرية والنظرية التي افتتحنا بها القرن الجديد.

وكأنها ذات الكتابات التي بدأها رواد النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, عندما اندفعوا في التنظير والتصوير والتوهم والإبداع الانفعالي برغم احتكاكهم بالعالم المتقدم, وما استطاعوا أن يستخلصوا آلية ذات قيمة حضارية وعملية ومعرفية تخدم الأجيال. وما تمكنوا من بناء دستور معاصر لدولة تستوعب طاقات شعبها وترتقي به إلى الأمام, وما ساهموا بما هو جدير بالثناء والتقدير. إنما كل الذي أنجزوه نظريات وتصورات وشعارات وجمعيات وأحزاب وتحالفات قضت عليهم وعلى تطلعاتهم. بل أنهم بعد ذلك قاموا بثورات وتغيير أنظمة حكم لم يحصدوا من ورائها إلا الويلات. لغياب منهاج العمل الوطني وتنامي مناهج العمل الفردي والإنجازات الكرسوية الذميمة, التي خلفت وراءها آلاف الجثث وعلقت الآلاف على أعواد المشانق ورمت بالآلاف في غياهب السجون الظلماء. ودفنتهم بأفكارهم وتطلعاتهم فقضى الآلاف حتفهم بلا جريرة تستحق أي عقاب, سوى لأنهم أصحاب رأي أو طموح وأهداف وطنية تتعارض مع الأهداف الشخصية للكراسي والأنظمة والأحزاب.

كتابات فيها كلام جميل ورائع عن الوطنية المسطورة في الكتب والصحف على مدى القرن العشرين واستنتاجات خيالية لا يمكن للإنسان في الشارع أو الحارة أو المدرسة أو البيت أن يهضمها ويستوعبها لأنها مرّة كالعلقم وتكررت في أيامه حتى صار يهزأ منها.

الإنسان الذي تم إطعامه لافتات حتى أصيب بانسداد الأمعاء وأوجاع قاتلة في معدته وسقط يتضور بؤسا على رصيف المأساة يسأل الله أن يشفيه من تخمة الأكفان التي حشرت في فمه وحولته إلى مقبرة للأوهام والرؤى والتصورات الغثيثة.

الإنسان الذي تم تغذيته بالشعارات البراقة الخالية من المقويات والمضادات الحيوية, وإنما فيها كل أنواع العقاقير المنومة والمخدرة حتى ضجت من شخيره الأرض والنجوم وبكت على حاله أقطار السماء.

الإنسان المأسور خلف قضبان الكراسي وزنزانات الأنظمة التي تلوك الشعارات المعسولة وترطن في خطاباتها الثورية ومقولاتها المدوية, التي زرقته بالخيبات والملمات والويلات العسيرة, وجعلته يدفع ثمنها لوحده ويواجه مصيره بنفسه وقت الجد والنزال وتداعي الحال وانهيار الأحوال.

الإنسان الذي سحقته سنابك الأنظمة القاسية, ودفنته مناهج الأطماع في تراب أحلامه, وخنقت في صدره كل طموح, وأخذت منه كل أمل بسعادة الحياة وطيبة الأيام ورأفتها ورحمتها ومساهمتها في تحسين حاله. لأنه يرى كل شيء يتحطم ويتراكم ورياح الأعاصير الصفراء تعبث به أنى تشاء وهو بلا قدرة على قول كلمته وتقرير مصيره.

أفلا يحق لهذا الإنسان أن يقول كفى تنظيرا وتجهيلا. كفى تنظيرا وتنطيعا للعقول وتدميرا للنفوس وسحقا للأرواح, فلا يريد شعارات ولافتات وخطابات وتمنطق باللامنطقيات.

لقد مزقنا الذين يحسبون أنفسهم يعرفون ويفكرون, وكأنهم يعيشون على مآسينا وأوجاعنا ومصائب أجيالنا المتلاحقة بلا انقطاع. وقد دثرونا بالنظريات حتى انسكبت جميعها في غدير الويلات الذي تفوح رائحته وتأكل الأجيال المغلوبة على أمرها بعضها البعض في مياهه الخضراء, فما عدنا نملك لونا أخضرا إلا في المستنقعات.

لا نريد كلاما يحلق في أجواء لا نعرفها ويخرج من خلف جدران تحوي مكاتب تبني بيوتا أو مستشفيات ورياض أطفال ودور رعاية, وهي تتمنطق بالطرح النظري وتحسب أنها قد قدمت شيئا مفيدا.

لا نريد أفكارا تخرب الحياة ولا تصنعها, لا نريد أفكارا بلا طعم أو رائحة, وإنما هي للاستهلاك التجاري والتعبير النرجسي عن الذات وليس الموضوع.

هذه المناهج في الطرح والتفكير هي التي ساهمت في تكريس العجز وتضخيم صورة اليأس وقتل الآمال والطموحات, وتثمير الأحزان حتى صارت إنجازاتنا العظيمة مسيرات دموع ولطم . وصار القتل في ربوع بلادنا عبادة وتقربا إلى الله, وأضحى الشر خيرا والخير مطاردا خلف الحدود وفي سجون لا ترحم حتى الحجارة.

فعن أي نظرياتٍ وأفكار يتحدثون وبأي منطق يكتبون, إنهم لا ينظرون بل يحدثون أنفسهم بما يتوهمون, ويريدون الضحايا البشرية أن تبقى عبيدا للشعارات واللافتات والخطابات التي لا تطعمهم إلا الموت والحروب والسجون والتهجير والقتل والامتهان والتخويف.

ارحمونا يرحمكم الله, فقد تعبنا من النظريات والتصورات..
وفكروا وأنتم تجلسون مع الفقير والجائع والعريان...
فكروا وأنتم بين معشر الأرامل والأيتام...
فكروا وأنتم مع الأجيال التي صارت ترى جثث أبناء وطنها مركونة على الأرصفة والكلاب تنهش بها نهشا...
فكروا وأنتم تجلسون مع الطفل الذي ذهب إلى المدرسة الحزينة ورأى بأم عينيه كيف يتم قتل البشر وكيف تُصنع الأحزان...
لا نريد أفكارا تأتينا من الجالسين فوق سطح القمر والذين يتوضئون بضوء النجوم ويشربون نخب الرفاهية والبذخ والحالمين بالملايين والقصور, هؤلاء يطعموننا ترابا ويأكلون ذهبا, كأنهم يدافعون عن قلاعهم ووجودهم بطرحهم لنظريات بلا فائدة. فالتفكير مسؤولية وطنية وإنسانية عليه أن يقوم بدوره الإيجابي في إسعاد الناس ومساعدتهم على إزالة الهموم وتوفير أسباب السعادة والألفة والمحبة والرجاء.

ما نريده: رغيف خبز ومدرسة نظيفة وبيت نظيف وشارع جميل ومحلة زاهية بالأشجار والمحبة والمودة. نريد ماءا صالحا للشرب وفرصة عمل وفسحة حرية ورعاية صحية واجتماعية تكفل لنا إنسانيتنا. نريد مدينة جميلة ونظام مرور متطور وسيارات جديدة وبيوت حديثة وخدمات حياة مثل باقي البشر. ونريد مكتبات عامة ونوادي رياضية واجتماعية وتفاعلات ذات قيمة مفيدة للجميع. نريد العدل والنظام والقانون الذي يضمن لكل حقٍ حقه. نريد أمناً وسلامة وكرامة, ونريد ما يجمعنا ونرفض ما يفرقنا . ولا نريد نظريات, فاتركونا لحالنا فقد اتضح طريقنا وتوقدت همتنا ونحن جميعا بعزم رجل واحدٍ إلى مستقبلنا نسعى بإصرار ووعي وإيمان.