وِراقة
30-04-2008, 20:24
أرغب اولا بتسليط الضوء على المعنى اللغوي للمفردة التي اصبحت تتكرر بشكل فوضوي.
التقديّس يعني التطْهير والتعظيم والتنزيهْ(وتقديسُ الله تنزيههُ عما لايليق به وتعظيمه وتمجيده وتكبيره).
(واذا قالَ ربُكَ للملائكةِ أني جاعلُ في الارضِِِِ خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونُقَدس لك قال اني أعلم مالاتعلمون) البقرة 30
والٌٌٌقدوس ,الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص
والارضُ المقدسةُ الارض المطهرة من الشرك.
وبيت المَقدِسْ هو البيت المُطهِِِِِر(بكسر الهاء) اي المكان الذي يتَطهرُ به من الذنوب.
وسميّ الاناء(السطل) الذي يتطهر به(قَدَسْ).
والقادِسيّة .سميت بهذا الاسم (في رواية)ان قوم من أهل قادِس (خراسان) نزلوا فيها ,فسميت بالقادسية.
وفي أخرى أن أبراهيم (ع) مر بهذه الارض فوجد عجوزا ,فغسلت رأسه فقال قُدِست من أرض فسميت بالقادسية.
أن مفهوم المُقدسْ أصبح لدينا مفهوماً فضفاضاً , مما جعله يشمل مدن كثيرة ,أخذت أسماء المدينة المقدسة والمدينة المشرفة ,الحرم المقدس ,الصحن المقدس .
وهل كل مساحة تلك المدينة بكاملها أصبحت مقدسة أم فقط تلك البقعة التي ضمت جسد الرمز( المُقدس)؟
وصل الامر ببيع تراب من هذه المدينة او تلك على انه تراب مقدس ,له استخدامات مختلفه.
(ياقوم أدخلوا الارض المقدسة التي كتب اللهُ لكم ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) المائده 21
والارض المقدسة هنا تعني المطهرة.
ثم هل هناك سلبيات على الفكروحرية الرأي أو على المجتمع من عملية توسيع دائرة المقدسات لكي تشمل مدن أخرى وشخصيات أخرى؟
مفهوم المُقدس شمل أيضاً شخصيات دينية و سياسية و اجتماعيه وكذلك عوائل. وأظفى عليهم شيء من التعظيم والتنزيه,مما جعل من الصعب وفي ظروف معينة من المستحيل أنتقاد هذه الشخصيه أو تلك و التعرض الى أرائها أو لما تقوم به ,لا بل لايستطيع المرء ذكر أسم الشخصية من غير أن يذكر لقب معين أو صفة معينة لتعظيم تلك الشخصية (كالمَولى المقدس ,أدام الله ظله أو حفظه الله أو قدس سرة ) والتي لاأعرف لبعضها معنى ثم أصبح الثمن غاليا على الذي يتطرق الى هذه الشخصية أو تلك بالنقد أو برفض أفكارها ,خاصة داخل العراق.وبشكل عام بالمنطقة العربية. فقبل مدة قليلة حكم على صحفي مصري بالسجن لانه أدعى ان الإله المصريّ المقدس (مبارك) مريض ! وفي المغرب(المملكه المغربيه) شخصية الملك مقدسه من خلال الدستور على أنه أمير المؤمنين وحامي حمى الدين !, أما في بلدان معينة مثل سوريا فأنك لاتستطيع أن تقول هناك حُفر بالشارع ,لانها تعتبر جريمة ضد الوطن يستحق مرتكبها مايستح وفق القوانين اللا عرفية !,لانك ومن خلال ذلك النقد أشرت الى ان الحكومة مقصرة والحكومة يرأسها السيد قائد المسيرة (المقدس).(الامر ليس الى هذا الحد طبعا ولكن ممكن أن تتحاسب أذا قلت هذا الموضوع أمام أحد الرفاق ( حفظهم الله ),الذي ممكن ان يُدخِل الامر بالوطنية ,لان الرئيس هو الوطن).وهذه ظاهره عامة في المنطقة العربية.
أما التقديس والتأليه عند بعض الطوائف مبالغ به فمثلا الطائفة الاسماعيليه (البهائيه) زعيم الطائفة لديهم مقدس الى درجة لايسمحون له بالمشي الاّ على سجادة كتلك التي يستخدمها الرؤساء والملوك ويتناوب مجموعة من الاتباع على مد البعض وطوي البعض الاخر ويتبركون بالماء الذي يستخدمه للوضوء (وهذا ليس من باب المبالغة لآني شاهدتُ بنفسي البعض من تلك الطقوس) حتى أن المحضوظ من الاتباع منْ يقع عليه نظر الزعيم. هذا الامر يُذكرني بتقرير شاهدته من على أحدى الفضائيات لمجموعة من الناس الذين يقدسون ويعبّدون الفئران في الهند ,حيث يذهبون الى اماكن معينة كالمعابد وهناك يقدمون الطعام الى الفئران والمحضوظ منهم منْ يحضى بمشاهدة الفأر الابيض!
من أخطر أنواع التأليه والتقديس أيضاً مايسمى بتقديس الكتب(لاأقصد كتب الديانات السماويه,كالقرأن والتوراة والانجيل وغيرها ) ,كما هو موجود لدى معظم المذاهب. لكن أضرب لكم مثلا على تقديس الكتب فقد وافق المجتمعون في منظمة المؤتمر الاسلامي الذي عقد في أسطنبول عام 1991 على قرار رقم 20,28 حيث يقضي بأن كل قَدْحٍ بالصِحاحِ يعتبر ردّة (حرية المعتقد في الاسلام ,أمال قرامي).لاأعرف ماذا تعني الردة هل تعني الخروج عن الاسلام أم الخروج عن دائرة الايمان أم عن ماأجمع عليه الفقهاء(قدس سرهم !!) أم عن ذلك جميعا ؟(ثم لاأعرف ان هناك أمرا تم الاتفاق عليه بين الفقهاء بشكل كامل).
الامر الاخر تعظيم وتقديس, اللغات فمثلا يعتبر اليهود اللغة العبرية لغة مقدسة وبعض المسلمين يقدسون العربيه لانها لغة القرأن ولغة الجنّة .
هل نحن نفهم أو نَعيّ معنى المقدس؟
هل المقدس الذي نتحدث عنه هو غير المقدس الذي يتحدث عنه رجل الشارع البسيط؟
هل المقدس في القاموس الشعبي يعني التعظيم والتنزيه والمُغالات في الاحترام أم يعني شيء أخر ؟
برأيّ المتواضع أن التقديس عند الفرد البسيط كل ذلك وأكثر حيثُ الانقياد الاعمى لذلك الشخص( المقدس,المولى المقدس).
يقول محمد خاتمي ( الرئيس الايراني السابق في كتابه مطالعات في الدين والاسلام والعصر)( أن الكثير من المتدينين ينقلون القداسة والاطلاق والسمو والتي هي من صفات جوهر وحقيقة الدين ,ينقلونها الى تصوراتهم النسبيه المحدوده الناتجة عن فهمهم للدين وهو فهم محدود بالزمان والمكان) وهذا الذي ندعوه بالفكر الديني وهناك فرق شاسع بين الدين(النصوص الموجوده في الكتب السماوية) وبين الفكر الديني (الفهم البشري لتك النصوص الدينية)
ويقول محمد خاتمي أيضا مؤكدا على ضرورة تقديس الدين ,فيقول(لو جٌرد الدين من القداسة خرج عن كونه ديناً).
أذا كان معنى المقدس كما ذكرت فلماذا تطلق هذه المفردة على المدن؟ وهل يمكن أسقاط التشبيه الموجود في القرأن على المدن الحالية ؟ (اني أنا ربك فأخلع نعليك أنك في الواد المقدس طوى)
أستخدام البعض, لِبعضِِ المفردات التي لها وقعُها المؤثر في مسامع الناس ,كمفردة الامام أوالمولى . بالرغم من معناها اللغوي البسيط الذي يعني ,تقدم الشخص لاامامة الاخرين بالصلاة ,أو مفردة القائد المفدى ,أو قَُدسَ سره الشريف أو حفظه الله ورعاه أو دام ظله الوافر أو الكثير من هذه التعابير والمفردات الرنانه كثار الله وحزب الله وبقية الله ,والتي ما أن تكررت على مسامع السامعين أضفت هالة كبيرة على هذه الشخصية أو تلك أو على هذه الجماعة أو تلك .
أذا من له الحق بأطلاق تسميّة (المقدس)؟
هل المقدس ضرورة لحياة الشعوب و المجتمعات؟
هل المجتمعات الشرقية فقط من يستخدم ويعتمد على المقدس ,أم كل المجتمعات لديها مقدسات؟
فالهندوس مثلا يقدسون فيما يقدسون مياه نهر الغانج الذي يعتبر من أقذر أنهار العالم بسبب كثرة الجثث التي تلقى في مياه النهر.(جثث الموتى,وهي جزء من عقيدتهم)
يتصور الفيلسوف الالماني هيجل (1770 _1831) أن البشر يقومون بأستمرار ودون توقف بتدمير الافكارالمقدسة القديمة التي لم يكن هناك خلاف عليها يوما( كتاب معارك من أجل الاله ,كارين أرمستونج).أما أنا فأعتقد هذه النظرية ممكن ان تكون ناجحة في مكان أخر بعيد عن بلداننا ,فأنني أؤكد اننا يوميّا نُنتج مقدس ونُظيفهُ على هرم المقدسات التي لدينا ,حتى أنني أدعوا أن يضعوننا في موسوعة جينس لللاقام القياسية لكثرة المقدسات التي صنعناها ببراعة.
من يخلق المقدس ؟ من يقرر أن هذا مقدس وذاك غير مقدس ؟ هل هو المجتمع أم النصوص الدينية التي تؤمن بهاالديانات أنها منزلة من السماء؟
ثم هل هناك قواعد وشروط لتسمية المقدس أذا كانت تسمية المقدس من واجب اي شخص؟
وهل كان المسلمون الاوائل في صدر الاسلام يعتقدون بعقيدة التقديس وماهي مقدساتهم؟
سألت عددً من السويديّن فيما أذا كان لديهم مقدس ,أو لديهم خطوط حمراء, دينية كانت أو أجتماعية عندما يتناقشون. فكانت الاجابة هي النفي .ليس لدينا ما نخشاه عندما نريد النقاش !! والمقدس لدينا هو الانسان وربما البيئة.
فهل أنت مقدس عزيزي القارئ ؟
ثم هل يجب علينا أن نجعل الغربين مثال لنا نقتدي بهم في تقديس الانسان وحريته ؟
ثم هل نحن أحرار عندما نريد التطرق الى هذه الشخصية أو تلك ,ليس من باب التندر وأنما من باب مناقشة أرائها السياسيه ,الدينية أو الاجتماعيه أو التطرق الى دورها في المجتمع
الجواب كلا ! لسنا أحرار.
فأذا بادر أحدنا الى التطرق الى أراء أو دور شخصية ما ,وخاصة الشخصيات التي لها صفة دينيه ,وهي شخصيات عامة لا تمت بصلة أو برابطة شخصية الى هذا الشخص أو ذاك ,ثارت ثائرة البعض وبدأت المزايدات وارتفعت الاصوات وكأن تلك الشخصية مقدسة ومعصومة و منزّهه عن الخطأ مسددّة و مباركة من الله,ويصبح الدفاع عنها واجب يأخذ نفس الصفه المقدسة التي تأخذها الشخصية. ويصبح الشخص المتعرض لتك الشخصية وحيداً فريدا, حتى أذا كان رأيه صحيحا ,وفي أغلب الاحيان يكون هناك من لديه نفس وجهة النظر التي لدى المُنتقد أو المُعترض لكنه يخشى المواجه أو يخشى ان يُشار اليه على أنه محسوب على طرف المغضوب عليهم و الضالين المُضلين.لذلك يُفضل الصمت !
هذا الامر ينطبق على الشخصيات القومية (العربية ,الكردية ,التركمانية ,والقوميات الاخرى) ,فمثلا أذا تعرضت الى شخصية جمال عبد الناصر لا بالشتيمة والسباب بل تعرضتَ الى أرائه أو قرارته ثار عليك القوميون العرب ,وأذا تعرضت الى شخصية كردية ثار عليك الكرد , وأذا تعرضت الى شخصية سنيةُ أوشيعية ثار عليك من هذا الطرف أو ذاك وهكذا دواليك.(أصطفاف اللاوعي)
وبعد هذا يصبح أحدنا محاطا بحقل من الخطوط الحمراء والمعوقَات التي تقف عائقا امام حرية التفكير وأبداء الرأي وكأن المرء يقف داخل حقل من الالغام ,يخشى أن يخطوا خطوة في أي اتجاه . وهذا أحد الاسباب التي أدت الى الجمود الفكري أو لنقل العجز عن التفكير في المجتمعات التي تكثر فيها معوقات التفكير السليم تلك المجتمعات ذات ثقافة العقيدة الواحدة. وهذا الموضوع يعتبر سببا في أستخدام العنف كوسيلة لفرض وجهة نظر معينة , هذا يحدث عندما يفرض كل طرف وجهة نظره التي يعتبرها غير قابلة للخطأ والنقاش ويجعلها من اليقينيات الثابتة ,ثم يضفي عليها شيء من القداسة,ويستخدم كل وسيلة من أجل هدفه(النبيل)!
من هذه المعوقات مسألة التعرض الى مايسمون بالصحابة (جميع الصحابة ) حيث يعتبرونهم أمر جوهري في الدين ,وأذا تطرق احد’ الى أحدِهم ,فقد خالف أمرا الهيا ثابتا في الدين لذلك ترسخت لدينا ثقافة عدم تناول الشخصيات التاريخية الا بالتقديس.
قبل سنوات قليلة تعرض أحد الكتاب وهو اسامه انور عكاشة الى عمر أبن العاص ,فقامت القيامة عليه لانه تعرض الى صحابي جليل (كما يقولون) ,وبذلك حلت على الكاتب نقمة التاريخ ,وقام البعض برفع دعاوى لتفريقه عن زوجته كما فعلوا مع نصرحامد ابو زيد و وكما فعلوا مع علي عبد الرازق حينما قال أن حروب الرده كانت سياسية وليست شرعية والذين أمتنعوا عن أعطاء الزكاة لم يرتدوا عن الدين بالضرورة, بل أنهم كانوا لايعتقدون بأحقية الخليفة ابو بكر ,فأتهموا بالرده والتكفير. وقامت القيامة عليه مع أنه لم يشتم ولم يسيء الى الخليفة ابي بكر(الاسلام وأصول الحكم ,علي عبد الرازق).
أصبح حالنا اليوم كما قال الشبراوي....(عبد الله بن محمد الشبراوي الشافعي 1680_1757)
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانهِ وليس يُصاب المرء من عثرةِ الرجل
فعثرته بالقولِ تذهبُ رأسه وعثرته بالرجل ِ تُبرى على مهلِ
فأذا جعلت الصحابة (جميع الصحابة,كل من شاهد الرسول ولو لساعة ,كما هو رأي البعض) جميعهم خطوط حمراء ,وأذا جعلت كل من تولى أمر السلطة من الامويين أو العباسيين خطوط حمراء وكذلك السلف الصالح والتابعين والفقهاء ورجال التاريخ ورجال الدين والسياسيين الحالين وغيرهم خطوط حمراء ,فعلى الدنيا السلام. (ربما سنبقى أنا ومن هو على شاكلتي غير مقدسين)!
ثم هل هناك قواعد وشروط لتسمية المقدس أذا كانت تسمية المقدس من واجب اي شخص؟
الاجابة على هذه الاسئلة قد يشيح الغموض عن حقيقة هذه المفردة وتأثيرها على الوعي وعلى المجتمع.
التقديّس يعني التطْهير والتعظيم والتنزيهْ(وتقديسُ الله تنزيههُ عما لايليق به وتعظيمه وتمجيده وتكبيره).
(واذا قالَ ربُكَ للملائكةِ أني جاعلُ في الارضِِِِ خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونُقَدس لك قال اني أعلم مالاتعلمون) البقرة 30
والٌٌٌقدوس ,الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص
والارضُ المقدسةُ الارض المطهرة من الشرك.
وبيت المَقدِسْ هو البيت المُطهِِِِِر(بكسر الهاء) اي المكان الذي يتَطهرُ به من الذنوب.
وسميّ الاناء(السطل) الذي يتطهر به(قَدَسْ).
والقادِسيّة .سميت بهذا الاسم (في رواية)ان قوم من أهل قادِس (خراسان) نزلوا فيها ,فسميت بالقادسية.
وفي أخرى أن أبراهيم (ع) مر بهذه الارض فوجد عجوزا ,فغسلت رأسه فقال قُدِست من أرض فسميت بالقادسية.
أن مفهوم المُقدسْ أصبح لدينا مفهوماً فضفاضاً , مما جعله يشمل مدن كثيرة ,أخذت أسماء المدينة المقدسة والمدينة المشرفة ,الحرم المقدس ,الصحن المقدس .
وهل كل مساحة تلك المدينة بكاملها أصبحت مقدسة أم فقط تلك البقعة التي ضمت جسد الرمز( المُقدس)؟
وصل الامر ببيع تراب من هذه المدينة او تلك على انه تراب مقدس ,له استخدامات مختلفه.
(ياقوم أدخلوا الارض المقدسة التي كتب اللهُ لكم ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) المائده 21
والارض المقدسة هنا تعني المطهرة.
ثم هل هناك سلبيات على الفكروحرية الرأي أو على المجتمع من عملية توسيع دائرة المقدسات لكي تشمل مدن أخرى وشخصيات أخرى؟
مفهوم المُقدس شمل أيضاً شخصيات دينية و سياسية و اجتماعيه وكذلك عوائل. وأظفى عليهم شيء من التعظيم والتنزيه,مما جعل من الصعب وفي ظروف معينة من المستحيل أنتقاد هذه الشخصيه أو تلك و التعرض الى أرائها أو لما تقوم به ,لا بل لايستطيع المرء ذكر أسم الشخصية من غير أن يذكر لقب معين أو صفة معينة لتعظيم تلك الشخصية (كالمَولى المقدس ,أدام الله ظله أو حفظه الله أو قدس سرة ) والتي لاأعرف لبعضها معنى ثم أصبح الثمن غاليا على الذي يتطرق الى هذه الشخصية أو تلك بالنقد أو برفض أفكارها ,خاصة داخل العراق.وبشكل عام بالمنطقة العربية. فقبل مدة قليلة حكم على صحفي مصري بالسجن لانه أدعى ان الإله المصريّ المقدس (مبارك) مريض ! وفي المغرب(المملكه المغربيه) شخصية الملك مقدسه من خلال الدستور على أنه أمير المؤمنين وحامي حمى الدين !, أما في بلدان معينة مثل سوريا فأنك لاتستطيع أن تقول هناك حُفر بالشارع ,لانها تعتبر جريمة ضد الوطن يستحق مرتكبها مايستح وفق القوانين اللا عرفية !,لانك ومن خلال ذلك النقد أشرت الى ان الحكومة مقصرة والحكومة يرأسها السيد قائد المسيرة (المقدس).(الامر ليس الى هذا الحد طبعا ولكن ممكن أن تتحاسب أذا قلت هذا الموضوع أمام أحد الرفاق ( حفظهم الله ),الذي ممكن ان يُدخِل الامر بالوطنية ,لان الرئيس هو الوطن).وهذه ظاهره عامة في المنطقة العربية.
أما التقديس والتأليه عند بعض الطوائف مبالغ به فمثلا الطائفة الاسماعيليه (البهائيه) زعيم الطائفة لديهم مقدس الى درجة لايسمحون له بالمشي الاّ على سجادة كتلك التي يستخدمها الرؤساء والملوك ويتناوب مجموعة من الاتباع على مد البعض وطوي البعض الاخر ويتبركون بالماء الذي يستخدمه للوضوء (وهذا ليس من باب المبالغة لآني شاهدتُ بنفسي البعض من تلك الطقوس) حتى أن المحضوظ من الاتباع منْ يقع عليه نظر الزعيم. هذا الامر يُذكرني بتقرير شاهدته من على أحدى الفضائيات لمجموعة من الناس الذين يقدسون ويعبّدون الفئران في الهند ,حيث يذهبون الى اماكن معينة كالمعابد وهناك يقدمون الطعام الى الفئران والمحضوظ منهم منْ يحضى بمشاهدة الفأر الابيض!
من أخطر أنواع التأليه والتقديس أيضاً مايسمى بتقديس الكتب(لاأقصد كتب الديانات السماويه,كالقرأن والتوراة والانجيل وغيرها ) ,كما هو موجود لدى معظم المذاهب. لكن أضرب لكم مثلا على تقديس الكتب فقد وافق المجتمعون في منظمة المؤتمر الاسلامي الذي عقد في أسطنبول عام 1991 على قرار رقم 20,28 حيث يقضي بأن كل قَدْحٍ بالصِحاحِ يعتبر ردّة (حرية المعتقد في الاسلام ,أمال قرامي).لاأعرف ماذا تعني الردة هل تعني الخروج عن الاسلام أم الخروج عن دائرة الايمان أم عن ماأجمع عليه الفقهاء(قدس سرهم !!) أم عن ذلك جميعا ؟(ثم لاأعرف ان هناك أمرا تم الاتفاق عليه بين الفقهاء بشكل كامل).
الامر الاخر تعظيم وتقديس, اللغات فمثلا يعتبر اليهود اللغة العبرية لغة مقدسة وبعض المسلمين يقدسون العربيه لانها لغة القرأن ولغة الجنّة .
هل نحن نفهم أو نَعيّ معنى المقدس؟
هل المقدس الذي نتحدث عنه هو غير المقدس الذي يتحدث عنه رجل الشارع البسيط؟
هل المقدس في القاموس الشعبي يعني التعظيم والتنزيه والمُغالات في الاحترام أم يعني شيء أخر ؟
برأيّ المتواضع أن التقديس عند الفرد البسيط كل ذلك وأكثر حيثُ الانقياد الاعمى لذلك الشخص( المقدس,المولى المقدس).
يقول محمد خاتمي ( الرئيس الايراني السابق في كتابه مطالعات في الدين والاسلام والعصر)( أن الكثير من المتدينين ينقلون القداسة والاطلاق والسمو والتي هي من صفات جوهر وحقيقة الدين ,ينقلونها الى تصوراتهم النسبيه المحدوده الناتجة عن فهمهم للدين وهو فهم محدود بالزمان والمكان) وهذا الذي ندعوه بالفكر الديني وهناك فرق شاسع بين الدين(النصوص الموجوده في الكتب السماوية) وبين الفكر الديني (الفهم البشري لتك النصوص الدينية)
ويقول محمد خاتمي أيضا مؤكدا على ضرورة تقديس الدين ,فيقول(لو جٌرد الدين من القداسة خرج عن كونه ديناً).
أذا كان معنى المقدس كما ذكرت فلماذا تطلق هذه المفردة على المدن؟ وهل يمكن أسقاط التشبيه الموجود في القرأن على المدن الحالية ؟ (اني أنا ربك فأخلع نعليك أنك في الواد المقدس طوى)
أستخدام البعض, لِبعضِِ المفردات التي لها وقعُها المؤثر في مسامع الناس ,كمفردة الامام أوالمولى . بالرغم من معناها اللغوي البسيط الذي يعني ,تقدم الشخص لاامامة الاخرين بالصلاة ,أو مفردة القائد المفدى ,أو قَُدسَ سره الشريف أو حفظه الله ورعاه أو دام ظله الوافر أو الكثير من هذه التعابير والمفردات الرنانه كثار الله وحزب الله وبقية الله ,والتي ما أن تكررت على مسامع السامعين أضفت هالة كبيرة على هذه الشخصية أو تلك أو على هذه الجماعة أو تلك .
أذا من له الحق بأطلاق تسميّة (المقدس)؟
هل المقدس ضرورة لحياة الشعوب و المجتمعات؟
هل المجتمعات الشرقية فقط من يستخدم ويعتمد على المقدس ,أم كل المجتمعات لديها مقدسات؟
فالهندوس مثلا يقدسون فيما يقدسون مياه نهر الغانج الذي يعتبر من أقذر أنهار العالم بسبب كثرة الجثث التي تلقى في مياه النهر.(جثث الموتى,وهي جزء من عقيدتهم)
يتصور الفيلسوف الالماني هيجل (1770 _1831) أن البشر يقومون بأستمرار ودون توقف بتدمير الافكارالمقدسة القديمة التي لم يكن هناك خلاف عليها يوما( كتاب معارك من أجل الاله ,كارين أرمستونج).أما أنا فأعتقد هذه النظرية ممكن ان تكون ناجحة في مكان أخر بعيد عن بلداننا ,فأنني أؤكد اننا يوميّا نُنتج مقدس ونُظيفهُ على هرم المقدسات التي لدينا ,حتى أنني أدعوا أن يضعوننا في موسوعة جينس لللاقام القياسية لكثرة المقدسات التي صنعناها ببراعة.
من يخلق المقدس ؟ من يقرر أن هذا مقدس وذاك غير مقدس ؟ هل هو المجتمع أم النصوص الدينية التي تؤمن بهاالديانات أنها منزلة من السماء؟
ثم هل هناك قواعد وشروط لتسمية المقدس أذا كانت تسمية المقدس من واجب اي شخص؟
وهل كان المسلمون الاوائل في صدر الاسلام يعتقدون بعقيدة التقديس وماهي مقدساتهم؟
سألت عددً من السويديّن فيما أذا كان لديهم مقدس ,أو لديهم خطوط حمراء, دينية كانت أو أجتماعية عندما يتناقشون. فكانت الاجابة هي النفي .ليس لدينا ما نخشاه عندما نريد النقاش !! والمقدس لدينا هو الانسان وربما البيئة.
فهل أنت مقدس عزيزي القارئ ؟
ثم هل يجب علينا أن نجعل الغربين مثال لنا نقتدي بهم في تقديس الانسان وحريته ؟
ثم هل نحن أحرار عندما نريد التطرق الى هذه الشخصية أو تلك ,ليس من باب التندر وأنما من باب مناقشة أرائها السياسيه ,الدينية أو الاجتماعيه أو التطرق الى دورها في المجتمع
الجواب كلا ! لسنا أحرار.
فأذا بادر أحدنا الى التطرق الى أراء أو دور شخصية ما ,وخاصة الشخصيات التي لها صفة دينيه ,وهي شخصيات عامة لا تمت بصلة أو برابطة شخصية الى هذا الشخص أو ذاك ,ثارت ثائرة البعض وبدأت المزايدات وارتفعت الاصوات وكأن تلك الشخصية مقدسة ومعصومة و منزّهه عن الخطأ مسددّة و مباركة من الله,ويصبح الدفاع عنها واجب يأخذ نفس الصفه المقدسة التي تأخذها الشخصية. ويصبح الشخص المتعرض لتك الشخصية وحيداً فريدا, حتى أذا كان رأيه صحيحا ,وفي أغلب الاحيان يكون هناك من لديه نفس وجهة النظر التي لدى المُنتقد أو المُعترض لكنه يخشى المواجه أو يخشى ان يُشار اليه على أنه محسوب على طرف المغضوب عليهم و الضالين المُضلين.لذلك يُفضل الصمت !
هذا الامر ينطبق على الشخصيات القومية (العربية ,الكردية ,التركمانية ,والقوميات الاخرى) ,فمثلا أذا تعرضت الى شخصية جمال عبد الناصر لا بالشتيمة والسباب بل تعرضتَ الى أرائه أو قرارته ثار عليك القوميون العرب ,وأذا تعرضت الى شخصية كردية ثار عليك الكرد , وأذا تعرضت الى شخصية سنيةُ أوشيعية ثار عليك من هذا الطرف أو ذاك وهكذا دواليك.(أصطفاف اللاوعي)
وبعد هذا يصبح أحدنا محاطا بحقل من الخطوط الحمراء والمعوقَات التي تقف عائقا امام حرية التفكير وأبداء الرأي وكأن المرء يقف داخل حقل من الالغام ,يخشى أن يخطوا خطوة في أي اتجاه . وهذا أحد الاسباب التي أدت الى الجمود الفكري أو لنقل العجز عن التفكير في المجتمعات التي تكثر فيها معوقات التفكير السليم تلك المجتمعات ذات ثقافة العقيدة الواحدة. وهذا الموضوع يعتبر سببا في أستخدام العنف كوسيلة لفرض وجهة نظر معينة , هذا يحدث عندما يفرض كل طرف وجهة نظره التي يعتبرها غير قابلة للخطأ والنقاش ويجعلها من اليقينيات الثابتة ,ثم يضفي عليها شيء من القداسة,ويستخدم كل وسيلة من أجل هدفه(النبيل)!
من هذه المعوقات مسألة التعرض الى مايسمون بالصحابة (جميع الصحابة ) حيث يعتبرونهم أمر جوهري في الدين ,وأذا تطرق احد’ الى أحدِهم ,فقد خالف أمرا الهيا ثابتا في الدين لذلك ترسخت لدينا ثقافة عدم تناول الشخصيات التاريخية الا بالتقديس.
قبل سنوات قليلة تعرض أحد الكتاب وهو اسامه انور عكاشة الى عمر أبن العاص ,فقامت القيامة عليه لانه تعرض الى صحابي جليل (كما يقولون) ,وبذلك حلت على الكاتب نقمة التاريخ ,وقام البعض برفع دعاوى لتفريقه عن زوجته كما فعلوا مع نصرحامد ابو زيد و وكما فعلوا مع علي عبد الرازق حينما قال أن حروب الرده كانت سياسية وليست شرعية والذين أمتنعوا عن أعطاء الزكاة لم يرتدوا عن الدين بالضرورة, بل أنهم كانوا لايعتقدون بأحقية الخليفة ابو بكر ,فأتهموا بالرده والتكفير. وقامت القيامة عليه مع أنه لم يشتم ولم يسيء الى الخليفة ابي بكر(الاسلام وأصول الحكم ,علي عبد الرازق).
أصبح حالنا اليوم كما قال الشبراوي....(عبد الله بن محمد الشبراوي الشافعي 1680_1757)
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانهِ وليس يُصاب المرء من عثرةِ الرجل
فعثرته بالقولِ تذهبُ رأسه وعثرته بالرجل ِ تُبرى على مهلِ
فأذا جعلت الصحابة (جميع الصحابة,كل من شاهد الرسول ولو لساعة ,كما هو رأي البعض) جميعهم خطوط حمراء ,وأذا جعلت كل من تولى أمر السلطة من الامويين أو العباسيين خطوط حمراء وكذلك السلف الصالح والتابعين والفقهاء ورجال التاريخ ورجال الدين والسياسيين الحالين وغيرهم خطوط حمراء ,فعلى الدنيا السلام. (ربما سنبقى أنا ومن هو على شاكلتي غير مقدسين)!
ثم هل هناك قواعد وشروط لتسمية المقدس أذا كانت تسمية المقدس من واجب اي شخص؟
الاجابة على هذه الاسئلة قد يشيح الغموض عن حقيقة هذه المفردة وتأثيرها على الوعي وعلى المجتمع.