PDA

View Full Version : مريم الصغيرة فنانة موهوبة!


مريم الصغيرة
15-06-2008, 09:47
مريم الطائي فنانة صغيرة مبدعة تحلِّق في سماء العراق

جريدة العرب
بغداد - محمود جبار
مريم علي الطائي صغيرة عمرها إحدى عشرة سنة أثبتت بالبرهان القاطع صحة المثل القائل «ابن البط عوام» فوالدها الأستاذ الفنان المصور علي الطائي صاحب الباع الطويل في مجال فن التصوير الفوتوغرافي زرع فيها حب فن التصوير حتى باتت تزاحم مريم المصورين الكبار فتأخذ موقعا بينهم لتوثق حدثا عبر كاميرتها الفوتوغرافية في هذه المناسبة وتلك الاحتفالية وذاك الافتتاح يقول والدها عنها: «ليس غريبا أن تتخذ ابنتي الكاميرا معشوقا لها فقد جعلت من بيتي معرضا للصور الفوتوغرافية، حيث علقت على حيطانه عشرات الصور الفنية هي من أجمل ما التقطته كاميرتي، كذلك جعلت بيتي متحفا للكاميرات، حيث أمتلك عددا كبيرا من أنواع عدَّة لكاميرات أقدمها تعود صناعتها إلى الأربعينيات من القرن الماضي».
تقول مريم: أحب الكاميرا كثيرا، ربما لا يتصور أحد مقدار هذا الحب، حتى إنني أحيانا أحلم في منامي أنني أحمل الكاميرا وألتقط صورا في حفلات ومناسبات. حلمت ذات يوم أنني أملك استوديو كبيرا للتصوير وقد جاء إليَّ الفنان عبدالحليم حافظ طالبا مني تصويره فأجلسته على كرسي جميل ورحت أصوره.
وعن تصويرها لعبدالحليم حافظ قال والد مريم ضاحكا: «أذكر هذا اليوم الذي حلمت فيه ابنتي بعبدالحليم حافظ ولن أنساه فأنا من أشد المعجبين بهذا الفنان الكبير ودائما ما تجد صوته صداحا في بيتي من خلال شرائط الكاسيت وذات يوم وبينما كنت أستمع إلى أغنية من أغانيه نامت مريم على حجري وحين استيقظت روت لي ما رأته في منامها فقلت لها حينها كم تمنيت أن أكون مكانك لأحظى بهذا الحلم الجميل».
وتشير مريم إلى ما تحمله صور المصورين العراقيين من بشاعة حيث تقول «لا أحب أغلب الصور العراقية وأقصد منها تلك التي تصوِّر القتلى والتفجيرات، حيث تجعلني تلك الصور أشعر بالخوف والقلق وأنا لن أصور مثل تلك المشاهد حتى وإن كنت في موقع حدث فيه انفجار ودمار ولا يوجد غيري من المصورين فلن ألتقط أية صورة مهما كان الثمن أو الشهرة التي سأجنيها من خلالها، إنما سأدع الكاميرا على جنب وأسرع لمساعدة المصابين، وكم أتمنى أن يعم السلام عراقنا الحبيب لتنتهي تلك المشاهد البشعة اللاإنسانية، وأمنيتي الخاصة أن أمتلك استوديو للتصوير وأقيم معارض خاصة، هذا بالإضافة إلى دراسة فن التصوير في أوروبا». وتتابع مريم: شاركت في أربعة معارض نلت من خلالها شهادات تقديرية ونلت جائزة هي عبارة عن كاميرا بمشاركتي في معرض المدى للصورة الفوتوغرافية عام 2006. وتضيف: «أملك شهرة واسعة في مدرستي بين زميلاتي لكوني أملك موهبة التصوير وعلى هذا الأساس تدعوني معلماتي وزميلاتي لتصوير مناسباتهن العائلية ولم أرفض أي دعوة، بل العكس فأنا ألبي دعواتهم لحبي وعشقي الذي لا يوصف للكاميرا فعلاقتي والكاميرا كعلاقة الأم بطفلها الرضيع وأنا أعتبر الكاميرا طفلي الصغير الذي لا أستطيع التخلي عنه، كما يتملكني شعور حين أحمل الكاميرا وأقوم بتصوير أي شي كأنني (آليس في بلاد العجائب) أو كأنني أحلق في الهواء. وأمنيتي أن يصل صوتي إلى جميع أهل السياسة وأدعوهم لينظروا إلى ما نحن فيه والمآسي التي دخلت كل البيوت والأطفال الذين تركوا الدراسة وصاروا يعملون من أجل كسب المال وتوفير لقمة العيش لأهلهم كما أدعوهم أن يتركوا صور الدمار والقتل ويمتعوا أنظارهم باللقطات الجميلة التي تحتضنها الطبيعة وأن ينظروا إلى صورة فيها أب وأم وأولاد يضحكون، أن يدققوا النظر في صور أطفال يلهون فرحين في رياض الأطفال والمدارس، أن ينظروا إلى ورود تتفتح لا أشجار تقطع وزهور ماتت من العطش وأسألهم: أليس العراق يستحق منكم الحب والوفاء؟ ألا يستحق أن تعطوه القليل من الإخلاص ردا لجميله الذي تنعمون فيه؟
براءة مريم الفنانة الصغيرة في العمر الكبيرة في الإنسانية الحاملة لهموم وطنها الجريح رسالة واضحة الخط كبيرة الحروف لمن ضعف نظره الإنساني عن رؤية جراح الوطن الذي صار بلاد العجائب بلا منازع فلتحلقي يا مريم في سماء بلادك.. بلاد العجائب، ناشرة ضياءك الوهاج لتنيري به الظلماء فلربما يرى الإنسانية من أصاب ضميره العمى.

مريم الصغيرة
15-06-2008, 09:59
السلام عليك يا مريم فهم لا يريدون السلام (حرب تموز 14) عماد الدين رائف


السلام عليك يا مريم فهم لا يريدون السلام

عماد الدين رائف: تلك الصغيرة أعرفها. تجلس إلى حافة غير واضحة المعالم في هذه الساعة المتأخرة من بعد ظهر الضاحية الجنوبية لبيروت. تنظر بعينين متقدتين إلى نقطة ما في فضاء دمار هائل. حولت الغارات العشرين ، بدقيقة واحدة، مجمع الإمام الحسن في منطقة الرويس، إلى رماد وأكوام من الإسمنت وبقايا أثاث، وهياكل سيارات، وأشياء وأغراض تظهر بين الفينة والأخرى بين أيدي الباحثين عن جنى عمرهم. تحت المجمع، هناك إلى اليسار، مازالت تنام الجثث، ما زال الفريق المتخصص يبحث عنها، وما يزال الأمل موجوداً في العثور عليها.

مريم الصغيرة، سبع سنوات، وجدت لها مكاناً بعيداً مشرفا على المسرح الرهيب. حملت يمناها بقايا لعبة متدلية، جلست تنظر إلى نقطة واحدة فوق الدمار، تنظر إلى غرفتها، أو المكان الذي كانت غرفتها الصغيرة تأكل منه حيزاً. هناك نعم، في الطابق الرابع إلى اليمين قليلاً... يمتد خيط سحري بين عينيها وتلك النقطة، تعيد رسم المكان بنورهما.

كانت مريم قد تعودت أن تنحاز إلى زاوية سريرها مطمئنة إلى وجود طاولة تحمل لمبة زهرية يمكنها أن تضيئها بكبسة زر. على زاوية الطاولة تضع كوباً من الماء في حال استيقظت عطشى في الليل، كي لا تقطع الكاريدور الطويل نحو المطبخ على ضوء النواصة.

تشير مريم بنور أصبعها إلى الكاريدور الممتد من غرف النوم إلى المطبخ، ثم تعود إلى غرفتها مبتسمة مطمئنة على ألعابها المدلاة من الجدران المزركشة بألوان هي اختارتها.

أتركها قليلاً بعيدة عن الواقع المر، تنظر إلى الفراغ المحقون بغبار كثيف. الرجال والنساء، جموع من الأطفال والآليات تقطع المساحة المتبقية من الشارع. كل تلك الأشباح لا تجرؤ على قطع الخيط السحري الذي يصل بين عيني مريم وغرفتها هناك، حيث أشارت بسبابتها. "لماذا فعلوا ذلك؟ كلاب". هي أكبر شتيمة تعرفها. يختفي الخيط السحري، تختفي الغرفة والكاريدور.. الشقة، العمارة، الحي.. ليعود المشهد إلى واقعيته، آلاف من الكيلوغرامات من المواد المتفجرة حولت الحي بكامله إلى ركام ومسرح يعربد فيه الغبار. تجول الصغيرة بناظريها في المكان، "يريدوننا أن نلعب مع الأطفال اليهود على شاطئ البحر.. أنا سمعتهم يقولون ذلك، أنا أحب أن ألعب على الشاطئ.. لكن ليس مع اليهود.. كيف بدّي إلعب معهم وهم يريدون أن يقتلوني؟!".

أجبرت أيام النزوح الثلاثين مريم على سماع الأخبار والتحليلات السياسية، سمعت ما سمعت عن "حب الإسرائيليين للسلام"، عن ذلك الولع الذي يتحدث عنه كل المتفوهين الإسرائيليين الذين يحتلون الشاشات، حب السلام الذي صاحب وصول القنابل الذكية إلى إسرائيل من أمريكا عبربريطانيا. إحدى تلك القنابل الذكية أصابت غرفتها، مزقت صورها، دفترها الصغير، سريرها، صندوق ألعابها، ألوان جدرانها... كل ما تبقى لها من حياتها القصيرة يتدلى من يدها.. لعبة صغيرة فقدت رجلها اليسرى "حرام.. لولو صارت بدون رجل"، تضم لعبتها الرمادية المستنبشة من الجحيم، تضمها إلى صدرها بقوة كي لا تفقدها هي الأخرى.

كانت قد لامت أباها الذي استطاع أن يمر على عجل بالبيت قبل أيام من تدميره، لامته إذ أنه لم يحمل لها غرفتها، عالمها الصغير الآمن معه، أن يأتي بها إلى المدرسة التي أوته وأسرته أيام النزوح.

تلك الصغيرة أعرفها، أعرف كثيرات في مثل سنها، غدا لونهن لون الغبار، تحولن بين ركام منازلهن إلى لون التراب والرعب. من الصعب جداً أن تحول كل الأموال الأورو- أمريكية المرسلة عبر البحار إلى معالجبن نفسيين اجتماعيين بينهم وبين عدوهم. تلك أموال لن تجعل من إسرائيل إسرائيل صديقة. على الدولة المعتدية على حياة مريم وأترابها أن تنتظر أجيالا كاملة قبل أن تحلم بسلام ما وتطبيع ما. على حد قول مريم "هم لا يريدون السلام"... فالسلام عليك يا مريم ما داموا لا يريدون السلام.


إيلاف\ شباب\ العدد 1927\ الخميس 31- 8- 2006