PDA

View Full Version : أكاديميون تمتهنهم اللغة فيقلبون الحقائق!


سجْدَ الدُجى
27-09-2008, 15:32
لعل من الأخطاء القاتلة أن يتوجه القارئ إلى كتاب ليسبر ما يستطيع من غوره ، وهو لا يحمل من عدة السبر غير معرفة لغوية مستندة إلى قاعدة الاطراد والشيوع في معاني الألفاظ على الرغم من أن تلك المعرفة اللغوية تعلن عن عجزها أمام أي مفردة لا تملك رصيدا في الاطراد أو الشيوع!!! فضلا على أن المعرفة اللغوية هي معرفة نظرية ينكشف عجزها باختبارها في النصوص ، فإن أفلحت في قراءة النص قراءة نافعة كان بها وأثبتت نجاحها ، وإلا فهي ليست مما يعول عليه تماما في قراءة النصوص خصوصا عندما يكون اللفظ ـ بحسب ما شاع في عرف اللغويين ـ مشتركا لفظيا ، بمعنى أن اللفظ (س) في هذا السياق يتنازعه عدد من المعاني المحتملة ، ولا يدري القارئ أيها هو المعنى الذي يقصده صاحب الكتاب ، فيحاول التوجه إلى معنى ما بحسب ما يمتلك من رصيد في قراءة النصوص وقدرة في تحليلها ، ولكنه على الرغم من ذلك لا يستطيع أن يدعي أنه أحكم معرفته لمعنى ما هو المقصود بهذا اللفظ دون غيره ، خاصة إذا علمنا أن المعاني أكثر من الألفاظ ، ولذلك يشكو الأدباء دوما مما يسمونه بـ(عجز اللغة) وهم يقصدون عجزهم عن إيجاد لفظ يحمل المعنى الذي تضج به صدورهم .


إذن المعرفة اللغوية هي في واقعها معرفة نظرية تماما ، بمعنى أنها تستجيب للتحليل والتركيب والتفكيك ، وما إلى غيرها من المناهج القديمة والحديثة في القراءة والدرس ، غير أن هذه الدراسات والنظرات في اللغة لا تثبت نجاعتها إلا بوجود (رأس) ناطق يعطي للألفاظ معان محددة هو يرشحها ويعدها معان أصلية للفظ ، وغيرها انزياحات ـ كما يسمونها ـ ولذلك وصل الفكر البشري أخيراً بعد طول الشد والجذب إلى حل ؛ ترك حبل ارتباط المعاني بالألفاظ على الغارب ، وهو حل (الاعتباطية) التي حمل عليها المفكر عالم سبيط النيلي ، حملته الشعواء وأسس معادلا للاعتباطية سماه (القصدية) التي حاول من خلالها قراءة النصوص ولكنه أيضا وقع فيما وقع فيه الاعتباطيون ، فإذا كان الاعتباطيون قد فرطوا في اعتبار العلاقة ، فإن القصديين قد أفرطوا كذلك لأن القصدية جاءت بوصفها ردة فعل على الاعتباطية فكانت محكومة بقانون الفعل ورد الفعل ، فلما كان الفعل قائما على (الاعتباط) التفريطي ، جاء رد الفعل مساويا له في المقدار ومعاكسا له في الاتجاه فكانت (القصدية) منهجا إفراطيا ، وقع في كثير من المصادرات والمخالفات ليس المقال الآن بصدد إحصائها ، ولكن تسجل للمنهج القصدي مزية أنه أعاد الاعتبار والقيمة للعلاقة بين الألفاظ والمعاني التي حاول المنهج الاعتباطي إلغاءها تماما ، غير أن ما يؤخذ على القصدية هو أنها توهمت أن الارتباط بين حلقتي اللفظ والمعنى هو ارتباط حقيقي بلا واسطة وهذا الوهم أدخلها في خانة الإفراط ، فما سجله الاعتباطيون على العلاقة كان سليما وهو أن العلاقة غائبة وهذا صحيح ، غير أنهم بالغوا في تغييبها إلى حد طمسها فكان الرابط بين الطرفين هو (أنا) القارئ ، ولذلك ابتدعوا لنا منهج تعدد القراءات استنادا إلى تعدد أنوات القراء ، بينما القصديون يرون أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة مباشرة ، ولا وجود لواسطة بين اللفظ والمعنى خارجية عنهما بل واسطة الارتباط كائنة فيهما ، ولا يخفى أن كلا المنهجين أصاب شيئا من مسألة العلاقة ، وحاولا أن يعالجا كل من جهته ولكنهما وقعا في حدي الإفراط والتفريط .


لا يخفى أن ما اصطلح عليه بـ(اللغة) التفت مؤخراً إلى ما كانت حقيقته سابقاً ، فعاد مصطلح (اللسان) إلى الظهور مرة أخرى ، وهذه المرة عاد بقوى فضمر بإزائه مصطلح (اللغة) والاهتمام بموضوعاتها ، وصار الالتفات إلى اللسان وميزاته وقدراته و... ، و... ما إلى ذلك من متعلقاته . غير أن المشكل بقي قائما ولم يجدوا له حلا فأعرضوا عن البحث في الحل ، والتفتوا إلى دراسة فروع اللسان ، وهذا حال الناس مع كل ما يحيلهم إلى مصداق حقيقي لمفاهيم متعددة وكثيرة ، ذلك أن كثرة المفاهيم وتعددها لا يحكمها إلا مصداق واحد متعين ، وهو (الحجة أو الدليل) ، ومن دون توفر ذلك المصداق (الدليل) يكون مآل الأشياء إلى التخبط والتيه!!!


فلمفاهيم الدين المتعددة مصداق وحجة هو أصل الدين وعنده تحكم المفاهيم ، وكذلك للسان مصداق وحجة تحكم عنده المفاهيم ويجتمع عنده المختلفون ، أ لم يقل الله سبحانه ؛ أن من آياته اختلاف ألسنتكم ، وجعل اختلاف الألسن (آية) يعرف بها المصداق الجامع المانع الحاكم لتلك الألسن ، وهو خليفة الله سبحانه المنصب منه على الخلق ، ولذلك فقضية حجة الله محيطة بكل تفاصيل الكون ، ومن دون حجة الله (المصداق) القائم تتبعثر تفاصيل الكون ، وتسيخ الأرض بأهلها ، ويكون عاليها سافلها ، ولذلك نلحظ اليوم هذا متجليا واضحاً ، فتغييب الناس لحجة الله سبحانه من ساحة نفوسها قلبت العالم رأسا على عقب واستنادا إلى ذلك ضيعت كل القيم الإنسانية التي لا تنمو إلا إذا عدلت البشرية مسارها ، ذلك لأن الناس زرعوا تلك القيم بالمقلوب!!!


وبناءً على تلك المقدمة ينكشف لنا أن كاتب مقال (الانتظار العقيم) هو في الواقع كشفٌ لغياب الحاكم وتعطيله في نفس الكاتب ، حيث توهم أن قضية الإمام المهدي(ص) ، أو المخلص أو المنقذ ، هي فكرة كثر مطارحتها بين الناس والشعوب على اختلاف بلدانها ، وهي فكرة بحسب ما يرى هو ومن موقعه أنها فكرة (عقيمة) ولم يلتفت أنه بتقييمه ذاك كشف عن وقفته المقلوبة ، فالكاتب ومعه العالم الذي يتوهم أن المهدي(ص) المنقذ هو فكرة أنتجتها حالة الظلم القائمة في العالم وشوق البشرية لتحقيق العدل جعلها تصنع لها وسادة انتظار المخلص!!! يفضح وقوفه المقلوب ويرى تصوره صحيحا وهو يعيش في عالم يقف على رأسه مثل الوعاء المنكوس ، أما لو عدّل وقفته لاستبان له عيب الجهل ومرارته ، ولاستحيا ـ إن كان جادا في طلب الحقيقة ـ من وضعه المقلوب في النظر للأشياء ، ذاك أن المهدي(ص) المخلص والمنقذ هو الحقيقة الوحيدة التي من أجلها هذا العالم ما زال قائما على الرغم من وضعه المقلوب ومبالغته في البناء استنادا إلى هذا المنهج المقلوب ، فصاحب مقال (الانتظار العقيم) صرح عن عقم تصوراته في التواصل مع الحقيقة وهو بهذا الحال المقلوب ، وكذلك هذا الأمر يكشف عن غياب الشجاعة لديه ولدى الكثير ممن يشاركونه وضعه المقلوب في تعديل الوضع كي يرى الأمور على حقائقها ، فقضية (الخلافة والاستخلاف) وورودها في سياقات متباينة لا يحكمها معنى واحداً ـ كما توهم هو أو من يشاركه ذلك الوهم ـ فتنصيب آدم(ع) خليفة لله سبحانه على أرضه هو قانون إلهي ثابت ، حيث أن المنصب خليفة لله سبحانه على أرضه لابد أن يكون مسمى معيناً ، وليست ـ كما يفهم العديد من المعاصرين ـ الخلافة أمراً مشاعاً في جنس الناس ، بمعنى أن كل واحد من الناس هو خليفة لله سبحانه بمعنى (حاكم) ، ذلك أن هذا التصور خال تماما من الحكمة ، بل يدل على سفه واضح لدى من يتصوره ، ذاك أن الحاكم وجوده يتطلب قانونا يحكم به ومحكومون يتخلقون بخلق ذلك القانون ، وكون الناس كلهم خلفاء ، وهم كما نرى مختلفون إلى حد القتل والقتال ، من الحاكم منهم ومن المحكوم ، وإذا كان كلهم حكاماً فبأي قانون يحكمون ، وهم على هذا الاختلاف المخزي ، لذا فلفظ الخلافة والاستخلاف الواردة في القرآن التي جعلها صاحب مقال (الانتظار العقيم) دليلا على تصوره الخالي من الحكمة ، هو من المتشابهات التي تحتاج إلى لسان حاكم يحكمها ، فمن سيحكمها؟؟؟!!!

هل ستنزع إلى قاعدة التصويت واعتماد رأي الأكثرية يأتيك جواب القرآن الذي تحتج به ، وهو حجة عليك في ذم الأكثرية في آيات كثيرة ، بل لم يقف القرآن على كثرة إلا ذمها ، من مثل قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(الأعراف/179) ، وهل يعقل أن يستخلف الله سبحانه الناس ويلقيهم في نار جهنم؟؟؟ وقال تعالى {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(البقرة/100) ، وقال تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران/110) ، وقال تعالى {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}(الأنعام/111) ، وكثير من الآيات التي تفضح جهل الأكثرية ، وفسق الأكثرية ، وظلم الأكثرية ، وما إلى غيرها من الصفات الفاضحة للأكثرية ، وأنا هنا أسال ويشاركني السؤال كل منصف طالب للحق ؛ كيف يجعل الحق سبحانه هؤلاء الأكثرية خلفاء له سبحانه ؛ وهم ظلمة وفسقة وجهلة ، وكالأنعام بل هم أضل ، هل يفعل ذلك متوسط الحكمة فضلا على أن يكون حكيماً (ما لكم كيف تحكمون)؟؟؟ لذا فالحق يتطلب منا أن نعدّل وقفتنا لنرى العالم على حقيقته ولنكتشف أن انقلاب الموازين هو ناتج عن انقلاب أوضاعنا ووقوف عالمنا على رأسه ، ولو عدل وقفته وعاد سوياً كما خلقه الله سبحانه ، لوجدنا أنفسنا نطلب حجة الله سبحانه والمنصّب منه طلبنا للهواء والماء والغذاء ، بل أشد طلباً ، وأشد إلحاحا ، ذلك لأن خلو العالم من حجة لله سبحانه ناطق بالحق هو أعظم من خلوه من الشمس ، فهل يمكننا أن نتصور عالما بلا شمس؟؟؟!!!