PDA

View Full Version : ثقافة سايكلوجية بين الإمام الكاظم(ع)..و ديل كارنيغي


سجْدَ الدُجى
18-11-2008, 15:54
ثقافة سايكلوجية بين الإمام الكاظم(ع)..و ديل كارنيغي

وسام ابوالليل الفريجي

تشير بعض الاحصائيات التي تجريها دور نشر وطباعة الكتب على ان الكتاب الذي يحتل المرتبة الاولى من ناحية الاقبال وتحقيق اعلى مستوى من المبيعات هو الكتاب العظيم الذي انزل رحمة وهدى للعالمين ((القران الكريم)).

وهذا شيء طبيعي جدا أذ يقبل اعداء ذلك الكتاب عليه ودراسته لمحاولة ايجاد شائبة او ثغرة يمكن لهم الولوج منها للطعن والتشكيك به. ويقبل عليه محبيه واتباعه حبا وتلذذا بسماع كلمات الله المباركة التي بذكرها تطمئن القلوب في عالم اصبح اشد مايحتاج فيه المرء للطمأنينة والراحة النفسية التي فقدت نتيجة التعقيد والضغوط الكبيرة التي فرضتها ظروف الحياة الحديثة .وخلص العلماء والمفكرين للقول بأن ذلك هو ضريبة الحضارة التي تعددت فيها حاجات الإنسان الذي كلما حصل على شيء طمح إلى غيره حتى أصبح طابع حياته الركض واللهاث وعدم الاستقرار، فتزامنا مع ما وفرته له التكنولوجيا من وقت واختصار للمسافات والتمكين من مصارعة الطبيعة وتحقيق بعض الانتصارات عليها، سقط الإنسان أسيرا لتلك الآلة التي اخترعها لراحته ورفاهيته والشواهد على ذلك كثيرة لا نريد الخوض في تفاصيلها.

وعودا على موضوع الكتب الأكثر مبيعا ورواجا في العالم فأن دور النشر والى فترة قريبة تذكر بأن من بعد القرآن الكريم تأتي كتب (ديل كارنيغي) الكاتب الأمريكي المعروف في المرتبة الثانية من ناحية الرواج وكثرة المبيعات.

حقيقة إن هذا الموضوع لخطير وجدير بالوقوف عنده ودراسته جيدا. وللأمانة فأن كتب ذلك الرجل هي منجز إنساني رائع جديرة بالإعجاب وتستحق القراءة فهي مكتوبة بلغة سهلة خالية من التعقيد وتدعو الإنسان إلى استثمار طاقاته وإمكانياته الجبارة التي وهبها له الخالق العظيم, مضمنة بكثير من القصص الطريفة التي تحكي سبل النجاح وكيف يمكن للإنسان أن يعيش حياة أفضل. ومعظم هذه القصص يرويها الكاتب عن حياته الشخصية وكيف استطاع تغيير حياته من إنسان فقير معدم إلى رجل ناجح و مليونير عبر اكتشافه كيفية التعامل مع الناس وتأسيسه لمعاهد تدرس ذلك الفن إلى يومنا الحاضر حتى بعد وفاته ، وكان له الدور الكبير في التأثير الايجابي على حياة طلابه وقراءه، وكتبه من قبيل (( كيف تكسب الأصدقاء)) و((دع القلق وابدأ الحياة)) و((تعلم فن الخطابة)) .....الخ . والتي في نهاية كل فصل منها يعمد إلى تلخيصها إلى مجموعة قواعد ينصح قراءه بالعمل بها. ومن هذه النصائح أو القواعد مثلا تأكيده على (( انه إذا أردت الدخول إلى قلب إنسان ما وتؤثر في سلوكه نحو الأفضل دون ان تثير حساسيته فعليك بذكر محاسنه أولا ثم تطلب منه تصحيح أخطائه، على أن تكون صادقا تماما في ما ذكرت من محاسن وعيوب)).

هذه الكلمات أو هذه القواعد (كما يسميها الكاتب) ذكرتني برواد علم النفس وأطبائها الحقيقيين الذين يستحقون أن تكتب كلماتهم على صفحة الشمس ليبصرها الخلق أجمعين.

ومن هؤلاء الإمام السابع أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) الذي يخاطب احد أصحاب رؤوس الأموال الضخمة آنذاك، ويملك قافلة من الجمال والتي كان لجودتها وكثرتها أن يكتريها هارون العباسي ،وهذه القافلة هي بمثابة شركة للنقل البري في عصرنا الحاضر وتأجر للرؤساء والملوك وتدر أرباحا طائلة ، فيسوء الإمام الكاظم (ع) أن يقدم ذلك الرجل (صفوان الجمال) المعونة لرجل ظالم بحجم هارون العباسي الذي لم يترك بابا من أبواب الخسة والإجرام إلا وطرقها. فيتوجه الإمام (ع) إلى صفوان الجمال بالقول :( ياصفوان ... كل شيء فيك جميل إلا واحدة ). هنا يكاد الرجل أن يطير فرحا لسماعه تقييم الإمام (ع) له .إذ إن الإمام (ع) قد هيئه تماما من الناحية النفسية لتقبل نقده على أمر قد يكون فيه ضربة موجعة باعتبار إن الأمر يتعلق بخسارة صفقة مالية كبيرة. فيسأل صفوان .. ((سيدي روحي فدال وما الواحدة ؟ )) فيجيبه الإمام (ع) : ((كرائك الجمال لهذا الظالم)).

وبالتو واللحظة يتوجه صفوان لتصفية شركته الاستثمارية التي تدر أرباحا طائلة تنفيذ لأمر الإمام الكاظم (ع)، وكان يمكن للإمام ان يأمر صفوان فقط دون أن يقدم المقدمات. ولكنه عليه السلام العارف الخبير بخفايا النفوس وتعقيداتها وميولها للتبرير والتأويل والنفرة من التوجيه الصحيح ، وخصوصا إذا كان ذلك بالتضاد من أهوائها ومصالحها الضيقة. هذا ولكي يترك لنا تراثا طيبا وعظيما نغترف منه ما يداوي العلل والآفات الخطيرة التي تفترس الإنسان على طول التأريخ. ونصدر تلك الوصفات(بل الاستيراد والاستهلاك) الناجعة لكل العالم الذي يئن من وطأة حرمان توجيه ومعرفة آل محمد( ص) الذين بإتباعهم والهدي بهديهم تصبح الحياة بيئة مناسبة للولوج إلى عالم يكون فيه الإنسان عبدا لله .... فقط .