سجْدَ الدُجى
31-10-2006, 16:45
1/3
يـقال إن السنين الأولى للطفل تكيف أخلاقه المستقبلية وترسم له غاياته التي قد يعيش لها طول عمره .. ولـكل شيء شواذ !، فهذه المقولة تصح عامة، وتخطأ إن طبقتها على نفسي، فأنا لم أعرف القراءة إلا بعد أن تخرجت من الجامعة ! .. وهذه من مفارقات القدر، فلقد تخرجت من الجامعة أمياً لا أفقه شيئاً، وأخذت شهادة بكالوريوس شهادة التطعيم الصحي أفضل منها، بل إن من شأن الشهادات أن ترفع قيمة الإنسان وتزكيه، بينما شهادتي تحط من قيمتي وقدري !.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
كـانت تلك الأيام صيفية ترتفع الشمس فيها إلى كبد السماء، وتحت أشعتها أصبح كل شيء رطباً يجعل من يمشي على الأرض يتصبب منه العرق مدراراً مدرارا، كنتُ في العمل أعاني الملل والفراغ، فالعمل إذا أتى جاء بعواصفه وضجيجه، وإذا انتهى ترك وراءه الصمت وأصوات الصدى !، مسكت كتاباً وقرأته وفي واليوم الثاني مسكتً كتاباً وقرأته استمرت هذه الحالة عندي أياماً، ولا انتهي من كتاب إلا ونفسي مشوقه لغيره .. لقد استأثرت تلك الكتب على انتباهي وشعرتُ أنها اقتلعني من حياة لم تكن تعطيني أي شعور بالاكتفاء، تركت تلك الكتب انطباعاً عميقاً في عقلي لدرجة عندما كنتُ أغفو في الفترة بين الدوامين يبدأ عقلي يخترع أحاديث ومواقف بل وتتشكل سلاسل كاملة من العبارات مستخلصة من الكتب التي قرأتها، كنتُ استغرب لمدة أيام كيف يتأتى لي ذلك، بل لست أغالي إذا قلت كما قال ذلك الكاتب الذي قرأ شكسبير لأول مرة فصار متيماً به طول عمرة: أحسست كأنني ولدت أعمى لا بصر لدي ثم هبطت يد سحرية ووهبتني الرؤية على الفور، بدأت أرى، بدأت أشعر بطريقة لم يسبق لها مثيل في حياتي، وأحسست أن مداركي قد اتسعت إلى حد لا نهاية لها.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
هناك قاعدة أو فلسفة أعتمد عليها في حياتي إذا أردت أن أعمل عملاً متواصلاً، فأنني لا أقدم عليه حتى أعرف أنني سأواصله إلى النهاية، وأعرف أنني سأواصله إذا رأيت نفسي مواظب عليه لمدة ثلاث شهور على الأقل، أي مرحلة تدريب كما العمل، بعد ذلك يمكن أن أتصف بصفة ذلك العمل، كما الرياضة مثلاً، فأنا لا أقدم على شراء الأجهزة الرياضية إلا إذا وجدت نفسي أمارسها يومياً بدون ملل، بعد ذلك أحكم على نفسي بأنني رياضي، فلا أخشى من شراء كل ما يمس الرياضة.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
قمت بقراءة مجلات العربي البيضاء ذات الرائحة القديمة للورق التي تركها والدي والتي كنتُ أعبثُ بها صغيراً- حقيقة عشت بها أحلام وآمال أجيال مضت وغطتها غياهب النسيان، عشت مع الدكتور أحمد زكي رئيس التحرير ومع منير نصيف كاتب ركن الأسرة والمجتمع، وحرصت على قراءة بريد القراء الذي كانت تتواصل المجلة من خلاله مع الناس، ولزمتُ قراءة طرائف غربية وطرائف عربية. تعلمت منها كلمات جديدة بدأت استخدمها في حديثي اليومي مثل: ( من الأهمية بمكان - دون ذلك خرط القتاد واحتساء الزعاف - غير الأشعار والمقولات والحكم الجميلة، كمقولة " المهاتما غاندي " ( حارب عدوك بالسلاح الذي يخشاه، لا بالسلاح الذي تخشاه أنت ) وما زلتُ أستخدم حكمة " أندريه جيد " الشهيرة ( من السهل أن تعرف كيف تتحرر .. ولكن من الصعب أن تكون حراً ) .. أحورها على طريقتي لتناسب ما أنا بصدده من الحديث، كأن أقول ( من السهل أن تعرف كيف تكتب .. ولكن من الصعب أن تكون كاتباً ) أو أقول ( من السهل أن تعرف كيف تبيع .. ولكن من الصعب أن تكون بائعاً ) .. فلما قرأتها كلها، قمت بشراء الكتب الرخيصة ، فلم أكن متأكداَ بعدُ من مواصلة القراءة. صدفةً في يومٍ خريفي تتساقط الأوراق فيه وتهاجر الطيور، اكتشفت البحرين وما تحمله من مكتبات، فذهبت واشتريت خمسة كتب في بداية الأمر، ثم وجدت أنها لذيذه هذه الكتب إذ لم تكن عندنا في بلدنا، فاستأذنت يوماً من العمل صباحاً واشتريت 27 كتاب، ثم صرت أذهب كل شهر مرة وكلى شوق جارف، لدرجة بات فيها قلبي يضرب كالطبل وخطايا تتسع شغفاً في أجواء المكتبات هناك حتى انعقدت صداقات بيني وبين الموظفين وصاروا لا يلقونني إلا وتلك البسمة على شفاههم ولا أخالها إلا من جراء تلك الأخوة السرية التي تجمع كـُل مـُحبٍ للكتب.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
* يقال إن الأصل في كلمة التأليف أنها تعني جمع الشوارد ونقلها من الوحشة المتباعدة إلى الألفة المتقاربة.
يـقال إن السنين الأولى للطفل تكيف أخلاقه المستقبلية وترسم له غاياته التي قد يعيش لها طول عمره .. ولـكل شيء شواذ !، فهذه المقولة تصح عامة، وتخطأ إن طبقتها على نفسي، فأنا لم أعرف القراءة إلا بعد أن تخرجت من الجامعة ! .. وهذه من مفارقات القدر، فلقد تخرجت من الجامعة أمياً لا أفقه شيئاً، وأخذت شهادة بكالوريوس شهادة التطعيم الصحي أفضل منها، بل إن من شأن الشهادات أن ترفع قيمة الإنسان وتزكيه، بينما شهادتي تحط من قيمتي وقدري !.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
كـانت تلك الأيام صيفية ترتفع الشمس فيها إلى كبد السماء، وتحت أشعتها أصبح كل شيء رطباً يجعل من يمشي على الأرض يتصبب منه العرق مدراراً مدرارا، كنتُ في العمل أعاني الملل والفراغ، فالعمل إذا أتى جاء بعواصفه وضجيجه، وإذا انتهى ترك وراءه الصمت وأصوات الصدى !، مسكت كتاباً وقرأته وفي واليوم الثاني مسكتً كتاباً وقرأته استمرت هذه الحالة عندي أياماً، ولا انتهي من كتاب إلا ونفسي مشوقه لغيره .. لقد استأثرت تلك الكتب على انتباهي وشعرتُ أنها اقتلعني من حياة لم تكن تعطيني أي شعور بالاكتفاء، تركت تلك الكتب انطباعاً عميقاً في عقلي لدرجة عندما كنتُ أغفو في الفترة بين الدوامين يبدأ عقلي يخترع أحاديث ومواقف بل وتتشكل سلاسل كاملة من العبارات مستخلصة من الكتب التي قرأتها، كنتُ استغرب لمدة أيام كيف يتأتى لي ذلك، بل لست أغالي إذا قلت كما قال ذلك الكاتب الذي قرأ شكسبير لأول مرة فصار متيماً به طول عمرة: أحسست كأنني ولدت أعمى لا بصر لدي ثم هبطت يد سحرية ووهبتني الرؤية على الفور، بدأت أرى، بدأت أشعر بطريقة لم يسبق لها مثيل في حياتي، وأحسست أن مداركي قد اتسعت إلى حد لا نهاية لها.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
هناك قاعدة أو فلسفة أعتمد عليها في حياتي إذا أردت أن أعمل عملاً متواصلاً، فأنني لا أقدم عليه حتى أعرف أنني سأواصله إلى النهاية، وأعرف أنني سأواصله إذا رأيت نفسي مواظب عليه لمدة ثلاث شهور على الأقل، أي مرحلة تدريب كما العمل، بعد ذلك يمكن أن أتصف بصفة ذلك العمل، كما الرياضة مثلاً، فأنا لا أقدم على شراء الأجهزة الرياضية إلا إذا وجدت نفسي أمارسها يومياً بدون ملل، بعد ذلك أحكم على نفسي بأنني رياضي، فلا أخشى من شراء كل ما يمس الرياضة.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
قمت بقراءة مجلات العربي البيضاء ذات الرائحة القديمة للورق التي تركها والدي والتي كنتُ أعبثُ بها صغيراً- حقيقة عشت بها أحلام وآمال أجيال مضت وغطتها غياهب النسيان، عشت مع الدكتور أحمد زكي رئيس التحرير ومع منير نصيف كاتب ركن الأسرة والمجتمع، وحرصت على قراءة بريد القراء الذي كانت تتواصل المجلة من خلاله مع الناس، ولزمتُ قراءة طرائف غربية وطرائف عربية. تعلمت منها كلمات جديدة بدأت استخدمها في حديثي اليومي مثل: ( من الأهمية بمكان - دون ذلك خرط القتاد واحتساء الزعاف - غير الأشعار والمقولات والحكم الجميلة، كمقولة " المهاتما غاندي " ( حارب عدوك بالسلاح الذي يخشاه، لا بالسلاح الذي تخشاه أنت ) وما زلتُ أستخدم حكمة " أندريه جيد " الشهيرة ( من السهل أن تعرف كيف تتحرر .. ولكن من الصعب أن تكون حراً ) .. أحورها على طريقتي لتناسب ما أنا بصدده من الحديث، كأن أقول ( من السهل أن تعرف كيف تكتب .. ولكن من الصعب أن تكون كاتباً ) أو أقول ( من السهل أن تعرف كيف تبيع .. ولكن من الصعب أن تكون بائعاً ) .. فلما قرأتها كلها، قمت بشراء الكتب الرخيصة ، فلم أكن متأكداَ بعدُ من مواصلة القراءة. صدفةً في يومٍ خريفي تتساقط الأوراق فيه وتهاجر الطيور، اكتشفت البحرين وما تحمله من مكتبات، فذهبت واشتريت خمسة كتب في بداية الأمر، ثم وجدت أنها لذيذه هذه الكتب إذ لم تكن عندنا في بلدنا، فاستأذنت يوماً من العمل صباحاً واشتريت 27 كتاب، ثم صرت أذهب كل شهر مرة وكلى شوق جارف، لدرجة بات فيها قلبي يضرب كالطبل وخطايا تتسع شغفاً في أجواء المكتبات هناك حتى انعقدت صداقات بيني وبين الموظفين وصاروا لا يلقونني إلا وتلك البسمة على شفاههم ولا أخالها إلا من جراء تلك الأخوة السرية التي تجمع كـُل مـُحبٍ للكتب.
.،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،..،؛.،؛.،؛؛،.؛،.؛،.
* يقال إن الأصل في كلمة التأليف أنها تعني جمع الشوارد ونقلها من الوحشة المتباعدة إلى الألفة المتقاربة.